Modèle: www.chaghmoum.net Dernière mise à jour 7 janv. 2010 17:05
 
 Utiliser ce modèle

Activité récente sur le site

محترف الكاتب

تحتوي هذه الصفحة على قسمين: ولوج المحترف
 و الكاتب في المحترف

محترف الكتابة 

القسم الأول:

ولوج المحترف أو تعلم الكتابة

    

 

دعاء

 

أتمنى لو أن كل واحد من الناس يكتب أو يرسم، أي يمارس شيئا من الحرية والطوباوية، من غير الضروري، أوالاعتيادي، أو الملح، لأنه، أحيانا، وحتى دائما، أكثر ضرورة من الضروري، ومن يترفع عنه، عفة، أو كبرياء، او غفلة، قد يرفعه إلى أعلى درجات المحنة كما تتجلى في انفصام الشخصية، مثلا، أو الحمق: فاللهم اعطنا نصيبنا من الجنون، عن طريق الكتابة، أو أي فن آخر، قبل أن نجن!

 

تقديم

فيم نختلف، نحن البشر، في الحياة؟ نولد بنفس الطريقة، تقريبا،  نعيش عبر حوادث سعيدة أو شقية، ثم نموت بنفس الشكل، أو نكاد، و لكن الثقافات لا تتركننا ندفن بنفس الطريقة ولا تجعل لنا ذكرا واحدا، بعد الموت، إلا  إذا كنا، بمعنى ما، مجانين، أو حالمين، أو طوباويين، من أولئك الذين يقال عنهم إنهم فتحوا لنا عيوينا جديدة، أو يعيدون فتحها، فقط لأنهم مغايرون لنا، أو يرون، أو يفعلون، ما لا نرى أو نفعل، داخل ذات الثقافة، أو الحضارة، أي إذا استطعنا أن نحقق بعض التميز عن بعضنا البعض، بدون أدنى شعور بالتفوق أو الدونية، كأن يكون الواحد منا شاعرا أخرق، مثل المتنبي، أو متهكما بارعا على نفسه، وعلى العالم، مثل جحا، أو عاشقا خارج التاريخ والأعراف، مثل قيس وروميو، أو ابن حي شعبي يحلم بأن يصير بطلا للعالم في إحدى الرياضات، أو حتى مصابا بجنون العظمة، مثل نيرون وهتلر، والكثير من حكام العالم، أو يتوهم أنه يملك شيئا يقوله، أو يفعله، لا يملكه غيره، أو لا يقدر عليه غيره، على الأقل بأسلوبه أو جرأتهالكثير من الناس يجهلون أن السر كله في نوع أو كيف الحياة وأن مفتاح هذا السر قد يكون عند الأم.، أي في الإرادة، التي قد نسميها تعليمات الوالدة، أو سيناريو الحياة...

الكاتب ليس نجما من نجوم الفرجة، مثلما في الرياضة، أو الغناء، أو السينما، بالرغم من أنه قد يشترك معهم في أشياء كثيرة، مثل الإرادة والمتابرة، الكاتب يرى في عمله أكثر من شخصه، مثل الرسام أو النحات، وعلى عكس من يتجسد عمله عبر شخصه، مثل المغني  أو العداء، الكاتب دائما خلف عمله، يغطيه ويتجاوزه بظله، ولو أكثر من الظهور فإنه يبقى دائما ظل ذاته، كما تتحقق في إنتاجه، فيه الكثير من الزهد بالرغم من أنه خليط من أورفيوس وديونيزوس وأبولون وبروميتيوسلا يكتمل فيه أي جانب من الألوهية ولا من الولاية أو النبوة، ولا من الإبليسية، أي من السيرة!
لكل ذلك لا تقرأ سير الكتاب كما تقرأ سير أولئك، فإنه كما يختلق في الكتابة يختلق في السيرة، بل إن أعماله مليئة بهذه السيرة، ليس فيها شئ آخر غير هذه السيرة، لمن لا يريد أن يقرأها بعيني المخبر أو النمام: النص الأدبي أصدق من كل سيرة، أو ترجمة، ذاتية!

فلم يؤلف كاتب سيرته؟

لنترك التقليد جانبا: لم يحرر  كاتب سيرته؟
ليدمج حياته في أدبه حتى تصبح جزءا منه لعله يرقى بها إلى مستوى جمال رواية أو فيلم؟
الحياة أجمل وأغنى في الفن منها في الواقع حتى عندما يتعلق الأمر بالقبح والبؤس: نحب أنفسنا ، ونتعاطف معها، أكثر في الفن!
ولنترك جانبا كذلك التعاظم والتعويض: مالداعي إلى كتابة سيرة؟

عندما يكتب الكاتب نصا باسم السيرة إنما يحاول أن يحرر شيئا من ذاته من قيد السيرة، أن ينقد هويته، كإنسان، من هويته، ككاتب، وكأن لسان حاله يقول: أنظروا، هاه، أنا مثلي مثلكم، واحد منكم، فاقبلوني بينكم، ولا تتركوني دائما في أسر الكتابة!

ورغم ما في هذا السعي من مفارقة كبيرة، فإني لا أرى لماذا يمكن أن تصلح سيرة، إن لم تكن كذلك،  خارج طموحها السردي: إن السرد الأدبي، وفي أي جنس أدبي، يغتال جزءا كبيرا من الأنا!

لذلك قد يحتاج الكاتب إلى تحرير سيرة ذاتية من أجل تحرير أناه من أدبه!

أكثر من ذلك: إنك قد تجد نفسك تكتب سيرتك بالصدفة، بعد مقابلة مع صحافي، أو بمناسبة حديث عن علاقة عملك بذاتك، أو مراسلة من باحث، أو مبالغة، أو تحريف، في مقال عن كتاب من كتبك...بالصدفة تضطر إلى إعادة  ترميم نفسك وإصلاح ما تكسر في عينك من صورتك، من صورك، التي قضيت عمرك في صقلها، أو في محو جوانب منها...وقد تجد فقط أنه قد تجمع لديك من هذه النصوص ما يكفي ليكون شذرات من حياتك فتعمل على ضمها إلى بعضها البعض كأنك تعيد ترتيب أوراق مسودات كتبتها في فترات متفرقة!

وهكذا شاءت الصدفة أن أبدأ سيرتي، أعني كتابة، بمقال عن أمي طلبه مني صديق آنذاك لأنه أراد أن ينشر سلسلة من المقالات، في جريدة الاتحاد الاشتراكي،عن الكتاب وأمهاتهم، وبأقلام هؤلاء الكتاب أنفسهم، فاندهشت لما كتبت واندهشت أكثر لما كتب الآخرون...وتوالت الدهشة!

لقد كنت على وعي، نظري، قبل ذلك بأننا نطبق تعليمات أمهاتنا، على طريقة آبائنا، نحن الذكور، ونصنع منها، مبكرا، في طفولتنا، تصميم حياتنا، أو السيناريو الذي سنسير عليه بقية حياتنا، ولكني لم أكن، قبل هذا المقال، قد انتبهت إلى كل هذا الدور الكبير، الطاغي، الذي لعبته أمي في توجيه حياتي ورسم مسارها، منذ الصغر إلى الآن.كنت أطلق عبارات، من حين لآخر، من نوع: يكفيها فخرا أنها هي التي انتشلتنا من السخرة ورحلت بنا إلى المدينة لتدخلنا المدرسة!

فنسيت " كناشها"، وحسها الفني الكبير، وإرادتها القوية، وولعها بالتحرر والاستقلال، الخ....

إذا كانت الكتابة، والفن عموما، من جوانب كثيرة، تمجيدا للأم، فإن الأب هو المستفيد الأول من ذلك: ألسنا نحمل، على الأقل، اسمه؟ أو لسنا نطبق تعليمات الأم، الهادئة أو الصاخبة، على طريقته هو الذي يمثل السلطة والأمن، في نفس الوقت؟ يخطئ من يظن أن تمجيد الأم قتل للأب، فإن قتله، ولو أنه مجرد استعارة، لبس لثوبه حتى يستمر فينا، تقمص لسلطته، من زاوية الأم، لكي يظل إنسانا ، لا فقط تجسيدا للسلطة وتناقضاتها الكثيرة التي يكون هو أول ضحاياها: الإبداع تأنيث للذكورة أو تذكير للأنوثة!

في هذه الصفحات روابط نحو شذرات من السيرة وذكريات واستهامات وأطراس نعيد كتابتها خارج إكراهات النص الأدبي وقد نشير إليها فقط، وبسرعة، أو نغرق فيها كما قد  يغرق الواحد منا في ظله أو صورة من صوره!

 

الصور والكلمات

 

سيرة الصور أحيانا أقوى من الكلمات، لكن من منا لا يعلق على صوره؟

 هل تراها أنت كذلك، تمثلك و لا تمثلك؟ ومن أية ناحية وبأي معنى؟

 تتمنى لو كنت أفضل من الطفل ذي الست سنوات، أو أقل، أو أكثر، الذي ترى صورته، مصدقا وغير مصدق، لأنهم قالوا لك إنه أنت؟

الحياة إنشاء، صناعة، ورعاية، ولكل امرء ما  أنشأ، أ و صنع، أو على الأقل ما نوى، أو تمنى، أوتوهم، مهما خف، أو ثقل، ما ورث: الإرث، كيفما كان، قيد يحتاج كسره إلى الكثير من العقل، أو من الجنون، أو فقط إلى بعض الحكمة غير العادية، تلك التي تحب التقليد الخلاق!

لو كان الكتاب ربا لعبدته وأخلصت في شكره وأطلت لأنه أخرجني من الظلمات والسخرة أم تراني لهذا أكتب: الكتابة عبادة؟

 

القط والفأر

 

لنفكر في شئ من الماضي، وفي شئ من المستقبل، لنعيد ترتيب الحاضر من أجل

أنا والمستقبل: الأمل، أو التشاؤم ، أو الضحك،  سلاحنا ، لأنا نلعب كالقط مع الفأر!

أنا والماضي: أعداء، نتصالح ونتخاصم، لكنا نحتمل بعضنا البعض،  ولو أن كل واحد يتربص بالآخر، أي نلعب لعبة الصياد والطريدة، هو يريد أن يجرني إلى متاهاته وأنا أحاول أن أقوده إلى النور، إلى الحاضر والمستقبل: أكتب منه وبه لعله يبصر ويرافقني إلى الأفضل!

القط، الماضي، يريد أن يأكل الفأر والفأر، المستقبل، لا يريد سوى اللعب معه، لعبة شبيهة بلعبة توم وجيري الشهيرين: الحاضر مسرح!

                                                                                                    

                  

الحلم الكبير

 

كل كاتب أحلامه أكبر مما أنجز وما سينجز. لهذا يرى أن أجمل ما كتب هو ما سيكتب، أو آخر ما كتب، ويحلم بأن ما سيحققه أعظم ولو اعتقد النقاد أن كتابه الأول، مثلا، أو الأخير، أفضل ما كتب! وهكذا أسمع صوتا يهمس لي باستمرار: أكثروا من التشاؤم، ففيه أكبر الأمل، أومن التفاؤل، ففيه أفضل النفي  والإرجاء، ولا تكونوا جبابرة اليقين، والحقد، والضغينة، والتمركز حول الذات، لكي لا تؤذوا أنفسكم، قبل غيركم، وتجنوا على نصيبكم من السكينة؛ إذا استطاع الواحد منا أن يستيقظ كل صباح بما يكفي من القوة يجب أن يكون دعاؤه المتواصل: اللهم ارزقنا بما يكفينا، ويغنينا، من الإرادة الطيبة، فقط، وليغفرلناالأحبة أننا  لم نحقق لهم، ولا لنا، كل ما نوينا وترجينا، ولكنا على كل حال قد سعينا، وبهذا السعي ضمنا بعضا مما توخينا واستطعنا أن ننام، كل ليلة، بحافز أن لدينا، غدا، ما نفعله، لنستيقظ بأقل صعوبة! 

لمن هذا الصوت الذي يحرضني: لأمي، أو أبي، أو لهما معا، أم تراه لأولادي، أم فقط صدى المستقبل يحذرني من الماضي؟

  أنظر واسمع، من أعماقي!       

 

 

سيرة النملة والصرصار

 

مؤكد أني ولدت يوم 12 ربيع الأول، في الركادة، بقبيلة المعاريف، فسميت لهذا السبب الميلودي، والباقي كله ظن، وإن كانت ذاكرة شيوخ الأسرة ، خاصة النساء، تضع هذه الواقعة بين 1947 و 1950 ...يعرف الجميع أن هذا ليس سوى وجه بسيط من وجوه المسخ  التي تعرضت لها حالتنا المدنية، و من  تمة هويتنا، كأسر وأفراد، بعيد وقبيل الاستقلال!.

على كل حال، أنا الآن متقاعد، في إطار المغادرة الطوعية، بعد 39 سنة من العمل!

 بدأت التدريس معلما موقتا للفرنسية، بالدار البيضاء ثم المحمدية، سنة 1966 ، ثم حصلت على باكالوريا آداب عصرية، سنة 1971 وتخرجت من مركز تكوين أساتذة السلك الأول فرنسية، بالدار البيضاء، سنة 1974 ثم نلت إجازة في الفلسفة، من كلية آداب الرباط، سنة 1975، ودبلوم الدراسات العليا، من نفس الكلية، سنة 1982 فالتحقت بكلية الآداب بمكناس كمدرس، أي أستاذ مساعد، بالرغم من أن هذه الصفة، أو الدرجة، لا معنى لها، في الواقع، وفيها هيأت دكتوراه الدولة سنة 1990  ومنها خرجت متقاعدا، طوعيا، سنة 2005 ، بوضعية أستاذ التعليم العالي، أكاد أقول سعيدا، رغم بعض الأسى والشجن!

بين كل هذا وذاك تزوجت، 1966 ، ورزقت ببنتين، 1969 و1971 ، وولدين   توأمين، 1973، فكبروا، بالطبع ، وتفرقوا في أنحاء الدنيا كما هو الشأن دائما بالنسبة للخلفة  التي تكون طبيعية، وأنا، بالطبع، سعيد كذلك لأني أصبحت جدا، أي صار لي، كما يقال، من أحبهم، أكثر من الأولاد أنفسهم: أحفاد!

  والآن سأحدثكم عن أهم شيء أنجزته في حياتي،  بعد الشهادات، والأولاد، والعمل، و الحفدة: كتاباتي!

لا يظنن أحد، بعد هذا، أني مجرد زاهد تفرغ للعمل، أو وحش شغل، قد أكون الآن في بداية هذا الطريق، ولكن...!

   لا، لا، لقد عشت، والله ما تركت فرصة حقيقية تمر بدون أن أستغلها، ولو تعلق الأمر فقط بفيلم أو قصيدة أو أغنية: إني من أنصار استغلال كل الإمكانات التي تمنحها الدنيا؛ الفائدة والمتعة في كل شيء، حتى في العمل، أي عمل ليس فيه فائدة، أو إفادة، ومتعة يؤدي إلى الشقاء، ولا أحب خرافة النملة.... والصرصار، إلا في حالة الجمع بين السلوكين معا!

 

الكتابة:الحاجة والإكراهات

 

لا أكتب كل يوم لأني لست محترفا للكتابة ولأن الكاتب، في مثل بلدي، إذا كان يكتب بلغة غير إحدى اللغات العالمية، لا يمكنه أن يعيش، ولا أن يعيل، بالتفرغ للكتابة وحدها !

لكني حين يتقوى لدي الاستعداد، أو الحاجة، للكتابة أجد دائما الوسائل للتفرغ لها تفرغا شبه تام ولا أتركها إلا عندما يكون العمل قد اتخذ صيغة تقنعني بأني أستطيع أن أعود إليه مرة أخرى:  كما لا ينبغي أن يبرد الشغل في اليد، لا ينبغي أن يتسرع في نشره، اللهم إذا كان المرء على يقين تام بأنه، في كل مرة، يخرج الذهب الصافي مباشرة وفورا!

لهذا أكتب العمل الواحد أكثر من مرة. ولهذا، ربما، يلعب ذا ك الوضع دورا في وثيرة النشر، فأنا لا أنشر كل ما أكتب، وإن كنت أحافظ  على بعض الإيقاع لهذه الوثيرة، إني أعتقد أن الكاتب في الدول النامية لا ينبغي أن ينشر بسرعة تفوق معدل النمو  الاقتصادي لبلده ، إلا في حالة واحدة: عندما يكون وزيرا أولا أو على الأقل وزيرا للثقافة!

لقد بدأت  النشر، على حسابي، سنة 1972 بمجموعة قصصية متواضعة، لكني بفضلها دخلت إلى اتحاد كتاب المغرب، عنوانها أشياء تتحرك، ثم نشرت بعض القصص على صفحات الجرائد والمجلات المغربية قبل أن تصدر لي روايتان، الضلع والجزيرة 1980 ، ببيروت، في كتاب واحد وتتبعهما رواية ثالثة، الأبله والمنسية وياسمين، عن دار أخرى ببيروت، قابلها النقاد باحتفاء مشجع، وكانت كلها قد كتبت قبل 1980 !

ثم جاءت ترجمتي لكتاب هنري بونكري، قيمة العلم 1982 ، وكتابي عن الوحدة والتعدد في الفكر العلمي الحديث، عن دار التنوير ببيروت كذلك، وكانت قد صدرت لي قبل هذا الأخير مجموعة قصصية، سفر الطاعة، عن اتحاد كتاب العرب بدمشق. وتوالت الروايات، مرورا بعين الفرس المقررة في برامج الثانوي، ومسالك الزيتون، وشجرالخلاطة، وخميل المضاجع، ونساء آل الرندي، التي نالت جائزة الدولة للكتاب وحولت إلى فيلم تلفزي من ثلاث حلقات، والأناقة، وانتهاء بأريانة  ثم المرأة والصبي،  وأخيرا فارة المسك، الصادرة في شهر أبريل 2008، عن دار الريشة السحرية، بمكناس، وبقايا من تين الجبل وطوق الإلاف المنشورتين بدار الحوار بسوريا !

وقد جمعت الروايات، غير أريانة، و المرأة والصبي، وفارة المسك، وبقايا من تين الجبل، وطوق الإلاف، من طرف وزارة الثقافة المغربية في ثلاثة مجلدات تحت عنوان الأعمال الروائية الكاملة كما ترجمت بعض هذه  الروايات، جزءا أ وكلا، إضافة إلى بعض القصص، إلى الفرنسية والإسبانية والألمانية..    لقد سمحت لي هذه الأعمال بأن أدعى إلى الكثير من الملتقيات وأن أسافر إلى بلدان كثيرة ما كنت لأزورها لولاها، خاصة في الأوقات الصعبة ماديا: بهجة اللقاء والحديث مع كبار الكتاب واكتشاف مدن، وأماكن، جديدة قرأت عنها في الروايات فقط؛  واحدة من أكبر الجوائز التي تمنحها الكتابة لكاتب غير محترف... مازال في نفسي فقط شيء من السينما والمسرح، إذا طال العمر وشاءت الصدف أن تتماشى مع الإرادة أو الرغبة !                

 

 

سيرة العقل والوجدان

 

 

 

1 ـ الأعمال المنشورة في كتب

 

 

السرد:

 

 

 

- أشياء تتحرك، قصص، مطبعة طنان، البيضاء، 1972.

 

- الضلع والجزيرة، روايتان، دار الحقائق، بيروت،1980

 

-  سفر الطاعة، قصص، اتحاد كتاب العرب، دمشق، 1981 

 

- الأبله والمنسية وياسمين، رواية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،1982.   

 

- عين الفرس، رواية، دار الأمان، الرباط، 1988

 

-  مسالك الزيتون، رواية، منشورات السفير، مكناس،1990

 

- شجر الخلاطة، رواية، مطبعة فضالة، المحمدية، 1995.

 

- خميل المضاجع، رواية، مطبعة فضالة، المحمدية،1995

 

- نساء آل الرندي، مطبعة دار المناهل، الرباط، 2000

 

- الأناقـة، دار الثقافة، البيضاء، 2001

 

ـ أريانة، رواية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء

 

ـ المرأة والصبي، رواية، دار الأمان، الرباط ، 2006

 

ـ فارة المسك، الريشة السحرية، مكناس، 2008

 

 

 

الدراسات:

 

 

- الوحدة والتعدد في الفكر العلمي الحديث، دار التنوير، بيروت، 1984

 

- المتخيل والقدسي في التصوف الإسلامي، منشورات المجلس البلدي، مكناس، 1991.

 

ـ تمجيد الذوق والوجدان، دار الثقافة، الدارالبيضاء

 

- المعاصرة والمواطنة، مدخل إلى الوجدان، منشورات الزمن، الرباط، 2000

 

الترجمة:

 

 قيمة العلم ، هنري بوانكاري، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 1982

 

  والكثير من القصص والمقالات                      

 

 

  

فيم نختلف، نحن البشر، في الحياة؟ نولد بنفس الطريقة، تقريبا،  نعيش عبر حوادث سعيدة أو شقية، ثم نموت بنفس الطريقة، و لكن الثقافات لا تتركننا ندفن بنفس الطريقة ولا تجعل لنا ذكرا واحدا، بعد الموت، إلا  إذا كنا، بمعنى ما، مجانين، أي إذا استطعنا أن نحقق بعض التميز عن بعضنا البعض، بدون أدنى شعور بالتفوق أو الدونية، كأن يكون الواحد منا شاعرا أخرق، مثل المتنبي، أو متهكما بارعا على نفسه، وعلى العالم، مثل جحا، أو عاشقا خارج التاريخ والأعراف ،مثل قيس وروميو، أو مصابا بجنون العظمة، مثل نيرون وهتلر، والكثير من حكام العالم، أو يتوهم أنه يملك شيئا يقوله، أو يفعله، لا يملكه غيره، أو لا يقدر عليه غيره، على الأقل بأسلوبه أو جرأته: الكثير من الناس يجهلون أن السر كله في نوع أو كيف الحياة وأن مفتاح هذا السر قد يكون عند الأم.، أي في الإرادة، التي قد نسميها تعليمات الوالدة، أو سيناريو الحياة...الكاتب ليس نجما من نجوم الفرجة، مثلما في الرياضة، أو الغناء، أو السينما، بالرغم من أنه قد يشترك معهم في أشياء كثيرة، مثل الإرادة والمتابرة، الكاتب يرى عمله أكثر من شخصه، مثل الرسام أو النحات، وعلى عكس من يتجسد عمله عبر شخصه، مثل المغني  أو العداء، الكاتب دائما خلف عمله، يغطيه ويتجاوزه بظله، ولو أكثر من الظهور فإنه يبقى دائما ظل ذاته، كما تتحقق في إنتاجه، فيه الكثير من الزهد بالرغم من أنه خليط من أورفيوس وديونيزوس وأبولون وبروميتيوس: لا يكتمل فيه أي جانب من الألوهية ولا من الولاية أو النبوة، أي من السيرة!

لكل ذلك لا تقرأ سير الكتاب كما تقرأ سير أولئك، فإنه كما يختلق في الكتابة يختلق في السيرة، بل إن أعماله مليئة بهذه السيرة، ليس فيها شئ آخر غير هذه السيرة، وعندما يكتب نصا باسم السيرة إنما يحاول أن يحرر شيئا من ذاته من قيد السيرة، أن ينقد هويته، كإنسان، من هويته، ككاتب، وكأن لسان حاله يقول: أنظروا، هاه، أنا مثلي مثلكم، واحد منكم، فاقبلوني بينكم، ولا تتركوني دائما في أسر الكتابة!

ورغم ما في هذا السعي من مفارقة كبيرة، فإني لا أرى لماذا يمكن أن تصلح سيرة، إن لم تكن كذلك،  خارج طموحها السردي!

أكثر من ذلك: إنك قد تجد نفسك تكتب سيرتك بالصدفة، بعد مقابلة مع صحافي، أو بمناسبة حديث عن علاقة عملك بذاتك، أو مراسلة من باحث، أو مبالغة، أو تحريف، في مقال عن كتاب من كتبك...بالصدفة تضطر إلى إعادة  ترميم نفسك وإصلاح ما تكسر في عينك من صورتك، من صورك، التي قضيت عمرك في صقلها، أو في محو جوانب منها...وقد تجد فقط أنه قد تجمع لديك من هذه النصوص ما يكفي ليكون شذرات من حياتك فتعمل على ضمها إلى بعضها البعض كأنك تعيد ترتيب أوراق مسودات كتبتها في فترات متفرقة!

وهكذا شاءت الصدفة أن أبدأ سيرتي، أعني كتابة، بمقال عن أمي طلبه مني صديق آنذاك لأنه أراد أن ينشر سلسلة من المقالات، في جريدة الاتحاد الاشتراكي،عن الكتاب وأمهاتهم، وبأقلام هؤلاء الكتاب أنفسهم، فاندهشت لما كتبت واندهشت أكثر لما كتب الآخرون...وتوالت الدهشة!

لقد كنت على وعي، نظري، قبل ذلك بأننا نطبق تعليمات أمهاتنا، على طريقة آبائنا، نحن الذكور، ونصنع منها، مبكرا، في طفولتنا، تصميم حياتنا، أو السيناريو الذي سنسير عليه بقية حياتنا، ولكني لم أكن، قبل هذا المقال، قد انتبهت إلى كل هذا الدور الكبير، الطاغي، الذي لعبته أمي في توجيه حياتي ورسم مسارها، منذ الصغر إلى الآن.كنت أطلق عبارات، من حين لآخر، من نوع: يكفيها فخرا أنها هي التي انتشلتنا من السخرة ورحلت بنا إلى المدينة لتدخلنا المدرسة!

فنسيت " كناشها"، وحسها الفني الكبير، وإرادتها القوية، وولعها بالتحرر والاستقلال، الخ....

إذا كانت الكتابة، والفن عموما، من جوانب كثيرة، تمجيدا للأم، فإن الأب هو المستفيد الأول من ذلك: ألسنا نحمل، على الأقل، اسمه؟ أو لسنا نطبق تعليمات الأم، الهادئة أو الصاخبة، على طريقته هو الذي يمثل السلطة والأمن، في نفس الوقت؟ يخطئ من يظن أن تمجيد الأم قتل للأب، فإن قتله، ولو أنه مجرد استعارة، لبس لثوبه حتى يستمر فينا، تقمص لسلطته، من زاوية الأم، لكي يظل إنسانا ، لا فقط تجسيدا للسلطة وتناقضاتها الكثيرة التي يكون هو أول ضحاياها: الإبداع تأنيث للذكورة أو تذكير للأنوثة!

 

جلسة المساء

        

كان الربع الأول من المصحف أصفر ، مفروكا، أي مكمش، لاترى بعض حروفه وكلماته، بعضها نهائيا وبعضها بالكاد، لكنه كان أثمن شيء في الكون قبيل صلاة المغرب، فكنا نجلس معا، أنا و والدي، ممسكين بالكتاب، كل واحد من طرف، على حائط من حجر، أنا أقرأ وهو يصحح، هو بجد وطيبوبة، وأنا بخبث ودهاء الأطفال؛ وكم تعمدت نسيان كلمة أو حرف، وكم أخطأت عن قصد في السور أو الآيات، فقط لأطيل هذه الجلسة الروحية، لأكون بصحبة والدي، فهذه هي الفرصة الوحيدة التي كنت أجالسه خلالها وأستمتع بهدوئه وتواطئه ضد أمي، وربما ضد بقية العالم إذ كنت أتمنى دائما أن يـأتينا زائر في هذه اللحظة بالذات ليرى هذا المشهد العظيم وينقله إلى الآخرين : ابن السوسي، وفي قلب الشاوية، مطمورة المغرب الغاوية، هو الوحيد الذي يمكنه أن يتعلم القرآن على يد والده، وكأني لم أكن أذهب آنذاك إلى الكتاب إلا للتفاخر بهذا الأمر إذ كنت دائما أول من يؤذن له بمحو لوحته؛ فلا يحتقرننا جاهل أو عامي من هؤلاء الفلاحين والتجار وأرستقراطية قبيلة المعاريف المزهوين  بخيرات أرضهم وبأن واحدا من أهم أحياء الدارالبيضاء يحمل اسمهم !   

حين أفكر في مجرى حياتي المتواضعة، أجد أن  الكتب، مع كمشة صغيرة من الناس لها علاقة ما بالكتب والكتابة، وعلى رأسهم كناش الوالدة ومصحف أبي، هي التي صنعتني !

لذلك قلت أكثر من مرة: لو كان الكتاب ربا لعبدته وأطلت في شكره!

وأنا الآن لم أعد أقرأ كما كنت، من ناحية الكم والرغبة، ربما كما تفتر طاقات وأنشطة أخرى، مع التقدم في السن والانشغالات، ولم أعد أجد نفس المتعة في كل الكتب، كما لا يجد راشد طعم حليب أمه في أنواع الحليب التي يستهلكها، وإنما صرت أقرأ لمهنة التدريس والكتابة، لكن أغلب قراءاتي مراجعات، كتب قرأتها في فترة معينة، وظروف خاصة، إنما أجد فيها اليوم ما لم أجده فيها بالأمس، وكأني أراجع حياتي وأعيد تركيبها من جديد، على ضوئها، كأن الكتب العظيمة تتجدد تلقائيا مع الوقت أو لا تعطيك إلا ما تستحق في كل وقت، مثلما لا يسبق الرشد الطفولة!

         لنحلل، كل شئ وكل شخص، بكل التشاؤم ولكن لنتطلع بكل التفاؤل: الغد ملئ بالمفاجآت أكثرها سارة، محفز، أو يواسي الماضي، معز، فلنرمم أونستوهم أو نتفاءل: كل تذكر ترميم أو محاولة تصالح، أي إعادة بناء، لاستعادة الرجاء والتقليل من الألم، وحذار من عمى الألوان والنفس الأمارة بالسوء، ضد نفسها، والتي لا تجد غير الضباب والذخان من حولها: تأمل كيف يفيض الأطفال حيوية، حياة، فهم مبرمجون ليعيشوا وينموا، لكنهم، وهم يكبرون، يبددون هذه الطاقة أو يلوثونها!     

المستقبل دائما أمامنا بالرغم من أننا ننسى هذه البديهية بسبب الذين أصبح المستقبل وراءهم، وما أكثرهم، وبسبب ثقل الماضي والحاضر! كل من يعطينا ذرة أمل، أوبذرة طاقة، يستحق منا ألف شكر: شكرا، شكرا مدى العمر، لكل الكتاب والفنانين والمفكرين، لكل من مازال يعمل أو فقط يحلم،أو ينجب: عين فرس أبلغ تعبيرا، من كل الكلمات، وهي تتجسس على كناش أمي ومصحف والدي، وأنا معه أو معها في جلسة المساء تلك!


الحرف والصورة 

 لكي يمتلك المرء الاستعداد الأولي للكتابة يجب أن يتسرب إلى جسده، منذ طفولته، سحر الصور وفتنتها، تلك الصور ، الصوتية والبصرية، التي ترسم بالحروف، والكلمات، والجمل، فكل إبداع يولد من هذه الغواية وهذه الغواية هي التي تظل تغذيه وتدعمه؛ ليس الكتاب، أي كتاب، سوى تشكيل، أو لوحة، بهذه الصور ينجز، منها يطلق وإليها يتوجه، ومن لا تفتنه هذه الصور، مرسومة، لن يحرر شيئا وقد يظل، في أحسن الأحوال، كاتبا شفاهيا...
لقد بقيت أعتقد، ولفترة مديدة، أن أهم كتاب في حياتي هو كناش أمي"، الذي أشرت إليه مرات عديدة وبطرق وفي سياقات مختلفةمن هذا الكناش، من سحره، ومن فتنة أمي، وهي تخط فيه، أو تتصفحه، تسرب إلي عشق الكتب، قراءة وتأليفا، وربما كذلك سحر الرموز الرياضية وجمالهاولا أرى، لحد الآن، ما يمكن أن يغير من هذا الاعتقادلكن هذا الشعور بقدرما كان يسعدني، ويملأني فخرا واعتزازا، كان يزعجني بشكل ما ويقلقنيكأني لم أتجاوز الأوديبية بعد!
لقد خرجت باكرا من حجر أمي، وإن وفق "تعليماتهاوبإرادة منها، بسبب ظروف تجارتها بالخصوص، ورميت في الخارج رمياوأول هذا الخارج الكتاب إذ لم أكن أصلح بعد لشيء "نافعبطريقة مباشرةإني أستطيع الآن أن أستعيد بعض صور المسيد، أو "الجامع"، في تسميته عندناالفقيه وهو يحنشلوحتي لأول مرة، أو لوحات زملائي، ثم وأنا أتبع ذلك الأثر وكأني أصلي صلاة حقيقية كلها رهبة وخشوع، صلاة ظلت غامرة حتى عندما تمكنت أن أكتب بنفسي وأصبحت أقوم بالتحناشلمن هم أقل مني دراية بصور الحروف والكلمات؛ كم كنت متلهفا من أجل الوصول إلى "التحناشثم الكتابة ثم المحو ثم الكتابة من جديد، كتابة الجديدلا، ليس معنى هذا أن الصور الصوتية لم تكن تستهويني، لا، فلا أحد يمكنه أن يحفظ القرآن في غياب هذه الصور، وحفظ القرآن جزء أساسي من طقسه الصوت، الجماعي أو الفردي، والصور البصرية الأخرى دعامة جوهرية للصور الكاليكرافيةبلقيس وامرأة العزيز ويوسف، والنمل والهدهد، الخ...وهي تكلم سليمان، يا سلامولكن كل هذا، عندما يخط، يصبح في لوحة، يصير أشد سحرا وتأثيرا، كما لو أنك تعيد كتابة المصحف، تساهم في تحريره!
وكان للحرف إغراء آخر في صور السحريبدو الفقيه جليلا ومرعبا في ذات الوقت وهو يرسمها على كاغط، أو بيضة، أو إناء، ليداوي مريضا، أو يدفع شرا، أو يعيد حبيباالجن والعفاريت في خدمة الحرف، عبيد له، كم هو قوي، وجليل هذا الحرف الذي يستطيع أن يتحكم في العالم، في أقوى ما في الكون!
سأسعى إلى تعلم هذه الفنون، برؤية سحرية، طبعا، وسأقتني الكثير من الكتب التي تبسطها لألين قلب الفتيات وأعاقب من تصدني منهن قبل أن أكتشف أن الساحر لا يفلح من حيث أتى وأن جمال الحرف، في أشكاله وترابطاته المختلفة، هو السحر عينه ثم إني سأعيد اكتشاف هذه الكتب عندما يقودني البحث في المتخيل إلى المتخيل القدسي": تشكيل العالم والسلوك من خلال الأنماط الأصلية أو الصور الأولية...وقد يكون فقيه الجامع نفسه هو الذي دفعني إلى النظر إلى الساحر بشيء من الريبة من دون أن أفقد نظرتي السحرية إلى العالم لأنه ذات يوم دخلت عليه امرأة تخفي تحت إزارها زجاجة خمر ملآى خرجت بها فارغة بعد خلوة طويلة معه فكان هذا آخر عهدي بالجامعلقد حاول أحد القضاة، بطلب من والدي، مغامرا بإحضاري معه في جلسة خمره الخاصة ببيته، أن يشرح لي أن الخمر ليست ممنوعة بإطلاق إلا على العامة وأن كلام الله العالم الكامل العلم كلام واحد فلا يمكن لله أن يحل شيئا ثم يحرمه، كيفما كانت أسباب النزول والتدرج في التحريم، وإلا فإنه تعالى عن ذلك سيصبح بشرا يقول اليوم كلاما ثم يقول غيره غدا أي أن العبرة في الآية الأولى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون"! ولكن هيهات فبقدرما كبر هذا القاضي، وما زال يكبر في عيني إلى الآن، لأنه عاملني كراشد وبدون نفاق، بل ائتمنني، وأنا في تلك السن، على سر خطير من أسراره، بقدرما صغر الفقيه وبارت تجارته إلى درجة كراهية جامعه!
إن حادثة كهذه، وكيفما كانت خطورتها، لا يمكن أن تؤثر على إغواء الحرف إذ لم يكن الحرف، ولا الرمز، أي الرسم الذي يخرج منه، يأتي من عند الفقيه، أو من السماء، ولا حتى من المصحف ولكن القلم الذي يخطه، أي القصب الذي كنا نبريه بأيدينا، والسمق، الذي كنا نستخرجه من مواقع معينة من الغنم، قبل أن نصهره بالنار، والصلصال، الذي يمحو أثرهما معا، أي يسمح بتجديد هذا الأثر، واللوح الذي يكتب عليه كانت تخرج من الطبيعة ونصنعها بأيديناكان للحرف لون، وطعم، ورائحة، وشكل، ولون، وصوت، وسمك.ولاشك أن للحرف جانبا غيبيا، أو متافزيقيا، ولكن سواء على مستوى اللمس، أو الذوق، أو الشم، أو البصر، وحتى على مستوى السمع، كان الحرف من صنع أجسادنا ومن مواد طبيعية، تلك الطبيعة التي كنا نعاشرها يوميا بقرب كاملبهذا المعنى كان الجسد هو الذي يكتب، يصنع الحرف، كان يخرج من الجسد ويشتغل فيه وعبره نشتغل في الطبيعة وتشتغل فينا، نتفاعل مع العالم بقوة سحرية خارقة هي في ذات الوقت من صنعنا نحن غير أنا لم نكن نعلم أنا نمارس الفن بهذه الطريقة!
كان والدي  يشرح لي تفاصيل القصص القرآني مضيفا، من ذاكرته، أو طفولته، أو خياله، ما يفتن ويذهب بالعقل، رغم أن هذه الجلسات كانت نادرة حتى لا أكاد أو أجن، أو أغضب، من ندرتها وكثرة تشوقي إليها، خاصة عندما يزداد تأخره أو ترحاله:والدي عوض طفولته، ووحدانيته، بهذا الكنز، وكنت أزهو بذلك على أقراني لأن والدي أحسن من يفسر القرآن؛ هل زرع في الإحساس بأن الوحدانية ضالتها هذا الكنز؟
يركز الفقيه اهتمامه كله على الحرف والتلاوة بينما يركز والدي على الكلمة، على الجملةهل تعرف من هو أيوب، نوح، فرعون، أبو لهب، لوط، حمالة الحطب،الخ...أي ليس فقط على العبرة، ولا حتى على الحفظ، ولكن على تلك المعارف الكثيرة التي تحملها، أو توظفها، كلمة، أو جملة، أو آيةالتاريخ، الجغرافية، الأعلام...وبالخصوص الحكاية، حكاية شخص، أو قوم، أو واقعة، أو مكانوهكذا يصبح الحرف، وهو يرتبط بحروف أخرى، مرتبطا ليس فقط بالمكان، كما كان عند الفقيه، ولكن بالزمان، حمالا للتاريخ، لحكايات الناس، والأماكن، والأشياء، مع الزمان، الدهر!
الحرف، أوالرمز، في كناش الوالدة كان يجسد لغز الكتابة، وعند الفقيه فتنتها، وعند والدي مداها!
لا أحب بعض العبارات، من نوع الكتب المصورة"، حيث يتم الإيحاء، أو الإيمان، بأن النص المكتوب بالحروف يحتاج إلى رسوم تشخصه، أو توضحه، أو تشرحه، أو تكمله، أي تملأ نقصه، فالرسوم، في الكتب المزينةبالصور، مقارنة مع الكتب الخالصة"، أي تلك التي ليس فيها صور غير الحروف، كالصور في التلفزيون، مقارنة مع الإذاعة، تحد من سعة الحلم والتخيل، كما تنقص من الإمكانات الشخصية للمتلقي، إضافة إلى ما في ذلك من حط من قيمة هذه الكتب الخالصة"؛ كأن الحرف وحده لا يكفي لخلق صوره، للإيحاء بما يتطلبه من صورإن الصور هي التي تحتاج إلى الحروف، وليس العكس، وكلما احتاجت الحروف إلى الرسوم ابتعدت عن اكتمالهاأما من حيث الجوهر فلا الحروف تحتاج إلى الرسوم، كما في الشعر، ولا الرسوم تحتاج إلى الكلام، كما في الفنون التشكيلية، عندما تكون هذه وتلك حقيقية!
وهناك، في تلك القراءة المصورة"، أكثر من ذلكرسوم تافهة، ناقصة، ساذجة، مصطنعة وضعها أشباه رسامين، أو رسامون متسرعون قد يكونون أكثر سذاجة، أو حاجة، من الأشباه، بغية تزيين مالا يزين كما كان في القراءة المصورةثم في إقرأوفي بونجور، علي، بونجور، فاطمة"، على سبيل المثال.
أنا لم أكن، في أي يوم من الأيام، من أنصار الحائط العاري"، في الفصل، ولا من دعاة النص النقي"، في كتب الأطفال والقراءة بالمدرسة، إذ للصورة دور أساسي في التربية لكني أحب نوعين فقط من المكتوب الموجه إلى الأطفالإما كتب مصورة حقيقية، من نوع "الشرائط المصورة"،LES BD ، وإما كتب حقيقية كذلك كلها  حروفوحتى هذه الأخيرة يمكن أن تضاف إليها الصور ولكن صور حقيقية، صور من بدائع الرسم والنحت والعمارة  وليس صورا توضع للمناسبة، صور من المتحف المتخيلللإنسانية أصحابها فنانون بالفعلومن نفس المنطلق لا أجد أية متعة، ولا أي مبرر، في النصوص التي تكتب من طرف أناس ليسوا كتابا إلا لمثل هذه المناسبة أو تقوم على إعادة كتابة نص أدبي أصلي مع إضافة عبارة خطيرة من نوع عن..." أو بتصرف"؛ من أعطاك هذا الحق لتنوب عن الكاتب الأصلي وعن القارئ الناشئ في نفس الوقت؟ ينبغي أن يتعلم الطفل، منذ بداية علاقته مع المكتوب، أن تكون له صلة مباشرة مع نصوص غير مصطنعة، أو مشوهة، من تأليف كتاب حقيقيين متخصصين حقا في الكتابة للأطفال أو كتاب فعليين ثم نستغل معه هذه النصوص كما نشاء!
وعلى كل حال، فإني عندما اكتشفت الكتاب المصورفي المدرسة، المزينبتلك الرسوم التافهة، لم أشعر قط بأن فيها متعة أو فائدة، وأنا الآن أستطيع أن أتذكر صورة بعض النصوص، كما كانت مكتوبة آنذاك، لكني أجد صعوبة بالغة في استعادة صورة واحدة من تلك الرسوم المرافقةلقد كنت أمر عليها دائما مر الكرام حتى أصبحت لا أنظر إليها، أمر مباشرة إلى النص المكتوب بالحروف1

 

 الجوائز


قد يكون أهم ما في هذه التجربة، وأنا أربط علاقتي الأولى بالمدرسة، أمرانترسيخ علاقتي بالحرف واكتشاف غنى وتنوع الكتاب، فالرسوم لم تكن بثراء الكلمات حتى تشدني إليها أكثر من الكلمات ولكن الكتاب المدرسي شيء آخر غير المصحف أو اللوحة في الكتاب ثم إن فيه إبداعامن طرف بشر آخرين ليسوا فقهاء ولا أنبياء، هم بشر لا يتلقون الوحي، وليسوا مكلفين بالاستنساخ، لكنهم موهوبون وقد اكتسبوا صنعة الكتابة وبإمكانهم أن يعلموا هذه الصنعة للموهوبين مثلهم المستعدين لبدل الجهد الضروري لتعلمها!
وهكذا يتعزز الشعور بلغز الحرف، وبفتنته، وبمداه ثم ينضاف إليه الإحساس بأن كل ذلك ناتج عن صنعة، شبيهة بعمل الساحر، لكنها تتعلم شريطة وجود استعداد لها!
وأول خطوة في اكتساب هذه المهارة هي تقليد أهلهاوقد بدأت هذا التقليد في المتوسط الأول بالإنشاء، بالفرنسية، ثم بكتابة الرسائل الغرامية، ثم بكتابة الشعر"، ثم ب"بالتأليف" المسرحي...
       لقد فتحت عيني، أو بصيرتي، على أربعة كتب مختلقة كل واحد منها مرتبط بشخص ومجال: 1-الربع الأول من القرآن الذي علمني فيه والدي السور الأول من المصحف، بالركادة من قبيلة المعاريف.
2- الدفتر العجيب الذي كانت والدتي تقيد فيه معاملاتها التجارية وكانت تسميه الكناش
3-الكتب المستعملة التي كان يأتي بها شخص غريب كل أسبوع إلى سوق الإثنين الأسبوعي بابن أحمد
4-الكتب الجديدة، والغالية، التي حصلت عليها من المدرسة كجوائز.
وربما لهذا السبب، وطوال فترة الدراسة، لم تكن لا كتب العربية ولا كتب الرياضيات والعلوم، التي تتطلب الرياضيات، تشكل صعوبة كبرى بالنسبة إلي ولا ألغازها أسرارا مستحيلة الفك، ولا صناعة الكتب كانت أمرا مستحيلا، فهاهي أمي تصنع كتابا غير مسبوق، تؤلفه ولا أحد غيرها يمكن أن يفك أسراره !
كتب و لا أشجار، كانت الكتب المستعملة تعرض في مكانين مختلفين يوم السوق، كانت الفرنسية على الخصوص توجد في الجوطية، وسط السوق تقريبا، مع كل أنواع البالي كما في أية جوطيةهنا كنت تستطيع أن تجد الراويات والمجلات، خاصة المصورة، كما يمكن أن تجد بعض الأدب الفرنسي أو المترجم إلى الفرنسية إضافة إلى الكتب العلمية.  أما في مدخل السوق السفلي، من جهة وسط المدينة، وهذا أمر له دلالته، كما لوجود الحلقة قرب المدخل العلوي دلالته ربما، فقد كان يعرض خليط من الكتب، خليط حقيقي سواء من حيث اللغة أو المحتوىهنا كنا نجد السير الشعبية وروايات جورجي زيدان، مثلا، إلى جانب القرآن والتوراة والأناجيل سحر الخيال وجلال القدسي 
لم يكن عدد الباعة، كل أسبوع، يتعدى ثلاثة أو اثنين، لكن واحدا منهم يظل مواظبا حتى خلال فصل الشتاء رجل نحيف، قصير القامة، لحيته ترى بالكاد، لا يبتسم أبدا بالرغم من أنه دائم اللطفوالغريب حقا لدى هذا الرجل أنه لم يكن لا يقرأ و لا يكتب، لكنه كان يعرف عناوين كل الكتب، وأكاد أقول محتوياتها تسأله عن أي كتاب، أو تطلب منه أن يجلبه لك، فيمده لك أو يعتذر عن عدم توفره وهذا الرجل هو الذي نصحني بقراءة الأناجيل لأنها، في نظره، تعلم الفرنسية، إذ كانت النسخ التي يبيعها منها باللغتين العربية والفرنسية !
كنه كذلك الرجل الذي دفعني إلى أن أتعلم كيف أكسب مصروف جيبي بنفسي وكيف أفتني منه أول مكتبة شخصية متنقلة، في أنحاء البيت، لأنه لم يكن في البيت آنذاك، من منظور ترتيب الأولويات لدى الوالدة آنذاك، متسع لمكتبة قارة في ركن تابت !
قد أكون تعلمت من هذا الرجل كذلك كيف تكون لي مكتبة خاصة في ترحالي المستمر بين العديد من المدن لكني، بكل تأكيد، من كتب السوق هذه تقوت علاقتي ليس فقط بالعربية وإنما كذلك  بالفرنسية وبهذا الخليط من المعارف الذي قد يكون جعلني أدرس الفلسفة، وأكتب الرواية، ليكون له ناظم ومعنى 
كان ذلك قبل أن يفتح رجل طيب آخر، اسمه بالعياشي أظن، مكتبة قارة بابن احمد، أول محل لبيع الكتب في تلك المدينة، لكني في  هذه الفترة كنت قد بدأت الترحال في المغرب !
لقد كان أغلب هذه الكتب بالفرنسية، ومن أجمل ما تلقيت مع هذه الكتب العديدة، في نهاية الابتدائي الثاني، قصة سارة لعباس محمود العقاد التي سحرتني إلى درجة أنني لم أقرأ فقط العقاد كله ولكني فتنت بسيرة حياته، وبالضبط بعصاميته، فأصبحت العصامية مبدأ، بل اختيارا، في حياتي ما تركت بعدها سيرة عصامي، استطعت الوصول إليها، إلا وقرأتها، لأني أردت أن أنتمي إلى هذه العصبةوأظن أني لهذا السبب فتنت بالوجودية وأنا في الإعدادي لم يكن لي خيار آخر، وربما لأي شخص في مثل وضعي الاجتماعي، أن أخرج من الوجود إلى الكينونة بدون مثل هذه الوسيلة ؛ ولقد صرت أدخل إلى الفصول الأعلى، حتى الباكالوريا، فأجدها تافهة أو مملة، فقررت أن أغادر المدرسة بعد الحصول على الإعدادية والانخراط في سلك التعليم كمعلم موقت ! 
لكل ذلك فإني، حين أفكر في مجرى حياتي المتواضعة، أجد أن هذه الكتب، مع كمشة صغيرة من الناس لها علاقة ما بالكتب، هي التي صنعتني !
أنا الآن لم أعد أقرأ كما كنت، من ناحية الكم والرغبة، ربما كما تفتر طاقات وأنشطة أخرى، مع التقدم في السن والانشغالات، ولم أعد أجد نفس المتعة في كل الكتب، كما لا يجد راشد طعم حليب أمه في أنواع الحليب الأخرىالتي يستهلكها، وإنما صرت أقرأ لمهنة التدريس والكتابة، لكن أغلب قراءاتي مراجعات، كتب قرأتها في فترة معينة، وظروف خاصة، إنما أجد فيها اليوم ما لم أجده فيها بالأمس، وكأني أراجع حياتي وأعيد ترتيبها من جديد، كأن الكتب العظيمة تتجدد تلقائيا مع الوقت أو لا تعطيك إلا ما تستحق في كل وقت وعمر!

           من الكتاب إلى رعي الغنم

 

المعلمة الأولى

 



 من يستطيع  أن يكتب ، حقا، عن أمه!؟من كتب، حقا، عن أمه!؟

هذا السؤال – التحدي لا يعني ، إطلاقا ، أننا لا يمكن  أن نكتب  أي شئ عن أمهاتنا ، وإنما يتعلق  بما لا نستطيع أن نكتبه ، بما ليس بدهيا أو معطى ، إذن بالأمر  الأكثر  أهمية  بالنسبة للكاتب ،كيف تجعلنا  أمهاتنا كتابا  أو كاتبات ، كتابا  من نوع  معين، وفي مجال محدد  من مجالات  الكتابة ، ثم كيف نقول  هذا كله ، إذا استطعنا، بدون أن نسقط في الأحكام الجاهزة  والتكرار وسيطرة التقاليد  وعمى العواطف  والمجاملات والنفاق ؟

وإذا صح أننا –أطفالا ورجالا –نظل نطبق "تعليمات " أمهاتنا ، على طريقة آبائنا، إذا كنا ذكورا ، فكيف نميز بين دور الأم وتأثير الأب بين الشكل  والمحتوى في هذا التطبيق ؟

إن الكتابة ، في الظاهر على الأقل، وكما هو سائد في بعض  الأوساط  ذات النزعة الأمومية، انتصار " للأم" على "الأب "، فنحن، على ما يبدو، نكتب  ضد الأب " ذلك الرمز العظيم "للسلطة وتجلياتها العديدة"، للانتقام "للأم"، ذلك الرمز  الضعيف ، في الظاهر ، " المقاومة السليمة"، من أجل إسماع هذا الصوت وتقديمه للعالم..فما تكون عليه الحال  حين نصيح بدورنا رمزا "للأب "، لهذه "السلطة" بالذات؟وإذا ثبت، كما يزعم آخرون، أن الكتابة استعادة لصوت "الطفل "، ومن ثمة  استعادة لحضن  الأم، لوضع "جنيني " مليء بالتساؤلات التي لم تلق  جوابا والرغبات التي خنقها الكبت  والمنع ، من غير أن يقتلاها تماما، فما الذي يحصل "للطفل"الذي "يكبر" فجأة ، ويكف عن معرفة ما إذا كان يكره أمه ،حقيقة، أم يحبها ، حين يشعر مرة أنه يكره ومرة أنه يحب؟..

إن الأم، بيولوجيا، على الأقل، هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن أن يشك فيها إلا أطفال الأنابيب والقادمون إلى هذا العالم من أرحام مستعارة، الشيء الوحيد  الذي لا يمكن أن يعوض في حياتنا، بينما "الأب" يمكن أن يعوض بأي رمز آخر "للأب" لأنه مجرد رمز، رمز مهم ، بكل تأكيد، لكن قابل  للتعويض باستمرار ، بل إنه في بعض الثقافات يظهر  أنه  لا يكاد  يلعب  دورا يذكر...غير أننا، عندما نعشق امرأة أخرى أو نتزوج، ولو اخترنا هذه المرأة على صورة الأم، هل تظل الأم هي الأم، آلا يتسرب إلى صورتها أي تبديل أو تغيير؟.. أجل، عندما نذهب لنعيش مع امرأةأخرى أو نبدأ  التفكير  أو الحلم بها، ألا تضطر الأم، من طرف  الزوجة  أو العشيقة ، إلى التنازل  عن بعض ، على الأقل، من " حضورها الطاغي"، آلا  نعيش  فطاما  آخر قد يكون أعنف ، وهل هذا  الفطام شبيه أو مختلف  عن الأثر  المؤلم الذي  نحس  به ونحن نتخلى  عن امرأة

لنذهب مع أخرى، ما درجة الحداد  وما درجة البهجة في هذه "القطيعة"؟...

والأم  التي نظل "أطفالنا" بالرغم منا، طيلة حياتنا، هل تبقى هي هي عندما يصبح لنا أطفال  بدورنا، ولم تحتل " الجدة" كل تلك المكانة في عمرنا، هل لأنها  تأخذ مكان الأم لأنها في حاجة  إلى الأطفال  باستمرار ، أي إلى  أن تظل أما فقط؟ ولم تفضل أمهاتنا ، في فترة من حياتهن، الاعتكاف  في بيوتهن ، هل لأننا انتهينا إلى إقصائهن ، هل لأنهن يئسن  من استرجاعنا أم لأن عاداتهن وصويحباتهن  أحب  إليهن  منا، في نهاية  الأمر ، أم يفعلن ذلك لينتظرننا في "البيت" خوفا من أن نعود إليه فلا نجدهن ؟..

لكم تبعدنا هذه الأسئلة ومثيلاتها عن أمهاتنا وتقربهن منا في نفس الآن؛ الأمهات لقالق أحيانا ، متنوعات  الهجرات والإياب، أنهار إفريقية ، أحيانا  أخرى ، كثيرات  الجفاف والفيضان ، ضوء، أحيانا  عديدة ، طاغ في النهار ، باهر في الليل ، يسكن أحلك الظلمات ، أي صورة مثالية للإبداع، بشكل عام، والكتابة بشكل خاص...وهناك، في لا وعي كل ثقافة، نظام أمومي، ليلي، قمري، مائي، ملتبس، أو مختلط، دموي يجمع بين المهد واللحد، في مقابل النظام النهاري الذي يمثله الأب، النظام البارز، النظام الواضح!

فهل نكتب فقط لنظل في هذه الصورة ، في هذه الأرجوحة ، بين الرحم  والمهد والحضن، بين الضحكة  والعويل، بين الخوف  والطمأنينة، بين الوضوح والغموض، بين الرمز والاستعارة : هل تكون الكتابة نوستالجية، حنينا، إلى هذه الأرجوحة أم تجميلا  أو تشويها لها بقصد العودة  إلى النعيم  أو معانقة الجحيم ؟

الآن أدرك أنني  لم أكتب  إلا من أجل أمي وبسببها ولولاها  لما خططت حرفا  واحدا .. لا، ليس معنى ذلك أنني لم أكتب  "ضد" أمي، في أي يوم من الأيام ، ولا أنه  لم تندس فيها أية امرأة أخرى  ولا أنني  لم أفشل أو أسقط أو أخرج لها لساني : "هيا اقطعيه، تعبت!".. فلترتح، يا والدي، إنك حاضر، دائما بيني وبينها، أوبيني وبينك فقط!

إنني أفكر في الاستقلال التام عن "الأم"، عن مشروع الأم لابنها، عن حلمها بان ينتقم لها "الابن" من الزمان ، بأن يقوم بإصلاح غلطة وقعت في وقت  ما من  وقت  التاريخ، بأن يتحالفا لرفع رأسيهما معا ، فإن كل  التغييرات ، على هذا المستوى ، سطحية أو عابرة ، ولا يطال  التحول المشروع  أو الحلم في حد ذاته ، على لسان كل واحد منا، نحن الذكور...

 "هيا اقطعيه، تعبت!"، ليست عبارة ينتظر أن يعود كل واحد منا ، ذات يوم إلى أمه ليفرحا معا بتحرر الحنجرة من ثقلها، فهناك :"أخيرا ننجح يا أماه! "، آنئذ قد تموت الأم  ولا يتأخر  الابن  في الالتحاق  بها، لا يبقى هناك  مبرر للعيش  الحقيقي …تأمل مثلا، بهذا الصدد، حكاية فرويد مع أمه!

نحن لا نتغير ، نتحول، إننا " نتطور" فقط، نحاول  أن ننمو أو نضطر إلى "النمو"،

 أما  " الطفل "، ذو الأربع  سنوات، ذلك المعلم  الأول ، كما يسميه إريك بيرن، ذلك  الذي وضع  التصميم  الأساسي لحياتنا ، فيظل في أحسن  الأحوال متضامنا مع أمه، وفي أسوا الأحوال، أو عاديها، تابعا  لأمه تماما، متمسكا بأهدابها، منتظرا بسمة أو تكشيرة منها، صدا أو حنوا، كصغير فيل  أو "غوريل" ، تكبر الجثة والرأس  ويبقى القلب صغيرا ، تبقى البصيرة ، القماط، لا يتجدد برغم محاولات  علماء  النفس  وساحرات القبيلة، و الأسوأ أن يؤدي هذا الارتباط الرحمي إلى خلق مجرم أو إرهابي انتصارا ل"الأم"!

ثم تزداد مسؤولياتنا، في الحياة، وربما معها السلطة، التي  تقتل أو تضعف  كل العواطف،  إلا تلك التي دائرتها الأم، حتى حين نقول  لها غاضبين  أو متعبين:"كفاك تحكما!" أو "كفاك تعاسة!"، فنحن لا نشتكي منها، وإنما  نتوسل إليها  لكي  تساعدنا على إعادة" الأمومية" إلى صفائها الأصلي، إلى تنقيتها من الشوائب، من المبالغة أو التقصير، لكي نظل "أطفالا" ، وتبقى هي  "أما"، و"إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذر" ليست من كلام الأم ؛ إذا  أردتم استمالة  أهل السلطة ، التي تعوض لدينا العاطفة بالرغبة ، عليكم  بأمهاتكم، لنقضي  لكم كل حاجة، وفي "غياب " الأم، عليكم بالعشيقة، فإن العشيقة،  أعني  العشيقة "الجيدة"، أو الماهرة، تلك التي ليست ملكا لأحد بعينه، مثل الأم بالضبط مع جميع أولادها،  هي الوحيدة التي يمكن أن تعوض الأم،  في أكثر  الحالات، بل إن الكثيرين من الرجال  لا يقبلون من العشيقات إلا تلك التي تكون قد "رضيت"عليها  الأم، أما إذا كان الابن والأم قد نطقا تلك العبارة الصغيرة، :"أخيرا ننجح يا أماه"...فإن الوقت يكون قد فات عن طلب المعونة ، إذ حين يكون الحلم  حيا نكون أسعد  الناس، يسكننا كرم غريب، غير بشري... وحينئذ، مع الأسف، تكون زوجاتنا أشقى السيدات! ...

 الحديث عن الأم حديث ممتع، عجيب، وغريب، ملغز، ذو شجون، ولكن متى نعود، حقا،  إلى حكاية "الطفل وأمه"، أمي أنا، فإن أمي، ككل الأمهات، ليست مثل جميع الأمهات؟

لقد كيد لوالدي  وهو في الثامنة من عمره، ليهرب من " سوس "، تاركا وراءه حسب ما تحكيه  أمي، ثروة كبيرة من الأرض  والماشية والزيتون والأرغان والزعفران  ومعصرة الزيت والطاحونة  والبيت الكبير، الخ….ومعنى "الخ…" أن مكونات هذه  الثروة  كانت تختلف حسب  الظرف الذي يثير  الحديث عنها، فإذا قل الزيت أو الطحين في البيت، مثلا، فإن التركيز يتم عليهما، أما  إذا جاءنا ضيوف أو حصلت  لوالدي مشكلة  في  الشغل، فان ترتيب وأهمية تلك  المكونات  يأخذان شكلا آخر ، وإن كان ذكر هذه الثروة  يتم دائما  مقرونا باللوم أو التنديد  أو الغضب...

 من الطبيعي إذن  أن تنتقل  إلي كل هذه  المشاعر، مشاعر أمي، وأن تتضخم في خيالي  تلك  الثروة  لتصبح ثروة معنوية، رمزية!

حدث ذلك لوالدي بعد أن توفي أبوه، في "حركة"، وتبعه جده،  في " حركة" أخرى، وبعد أن «قلب المعطف" عمي الوحيد، الذي تحالف مع عمة والدي، الوحيدة، ضد أبي...  هده " الوحدة" ستجعل أبي فريدا، ومتفردا، غريبا طول حياته،  وستكون سببا في فصلنا  جميعا  عن تاريخنا، وربما  كانت عاملا  أساسيا كذلك، بل هي كذلك بكل تأكيد، في دفع والدتي إلى المطالبة ب "حق الأولاد"، هذا الحق  الذي تخلى  عنه والدي فلم يعد  سوى حق "رمزي"!

حل الأب بالدار البيضاء ليشتغل  عند فرنسية في معمل  للخمر. مرض مرضا  طويلا. ذهب إلى  طريق "مديونة", جلس  هناك ساعات أو أياما ، مرت قافلة من أعيان "الجدد" فعرض عليه كبيرها  أن يتبناه، وكان " الكبير لا يلد."هكذا حل أبي "بدوار "الجدد أو "الجديديين"، أي"دوار" أمي، الذي كان جزءا من قبيلة " المعاريف"، التي سيطلبه قائدها  الشهير ، القايد محمد العربي، للعمل عنده في "كل شيء"، وإن كانت أمي  ترفض أن تعطي لهذا العمل اسما آخر غير اسم " الخماس "، لكي تثير حفيظته لعله  ينتفض ذات يوم ويفكر في إرثه، فيها وفينا نحن، أو في الثروة والجاه!

 غير أن والدي  لم يعد قط إلى "سوس" ولم يتكلم  لنا، حتى حين كبرنا ،عن هذا الإرث  الذي ما زال عظيما في وجدان أمي، وكم  سيعظم، في خيالي  في شكله المعنوي  أو الرمزي: إنه تاريخي، من جهة والدي، كنزنا الوهمي الذي يربط بين ماضينا وحاضرنا وبه  يتحدد نوع مستقبلنا؛ لو نستعيد هذا الكنز، كما تريده أمي وتصفه! ولم يسكت عنه الرجل، لم يحرمنا منه ؟ بأي حق؟

أشعر أن هذه الثروة  التي حولت  أمي إلى  " نواحة"، أو ندابة، هي الكتابة، فأنا  لا استطيع  أن أقدم إلى والدتي، التي لا تكف عن المطالبة بها ، سوى رموزها: التاريخ ، الانتماء ، القيمة، الاسم الذي يحمي  أولادها  ويضمن لهم المستقبل، يرفع رأسها ورأسهم!

ولأن  أبي  كان سوسيا  حقيقيا ، لكن بدون "بقالة" ، فقد  كان يمثل  السوسي في أخلاقه العالية، في محبته  للعلم والفن، في كرمه، في زهده  وتفانيه  في العمل ، في تمسكه  الكبير بزوجته  وأولاده، في جمعه بين الهجرة، في رأسه،  والإخلاص "للبلد"، الذي تبناه، فإني، وفي غياب  البقالة والأرض ، أي" الثروة" والجاه،  قد سعيت إلى إرضاء أمي، على طريقة  والدي : "ها أنا آتيك بثروة والدي كاملة ، ها أنا أعيد للعائلة  كنزها، لكي "أنتقم" لك "بالأفضل" ، بأهم  ما في هذه  الثروة الضائعة أو الكنز، بما يطلب  الناس  من أجله  الثروة": جانبها الرمزي بالرغم من الفارق النوعي، والكمي كذلك، بين هذه وتلك!...بالرغم من أنني لست سوى كاتب مغربي بما في "مغربي" من معاني التواضع، والواقعية، والعزة في الآن نفسه!

أنصتوا إلى "الصغير" فيكم، أو في أولادكم"، فمن منا لم يقل، أو يسمع من "صغيره" كلاما من نوع: عندما أكبر سأفعل لك كذا وكذا؟

كان يجب، ولهذه "يجب" وحدها حكاية أخرى، أن أرضي أمي وأنصف والدي، فلاشك أنه، في طفولته تلك، قد نزع منه شيء أهم من كل ثروة أو كنز، ما ذا بالضبط؟ أتصور أنه ذلك الذي يمنعك من أن تطأ أرضا، أرضك،  من جديد، يمنعك من أن تأمل في الحب أو المحبة، هناك ، من أن تظل منتميا لتاريخ  طويل  عريض  كتاريخ "سوس" وأنت مرفوع الرأس: الكرامة والمحبة!

لقد قطع كل علاقة له بهذا  الزمن الذي تطالب به أمي  لأولادها ، فكيف أعيد لأمي "زمانها"، زمننا ، نحن  أولادها ، ونحن بلا أرض  ولا بقالة ، بالتعاون  مع السالبين والمغتصبين والظالمين، ؟ بالتحايل على الناس  وسلب حقوقهم كي نصير من الأغنياء من جديد ؟ كل هذا كان سيكون  قبولا  للظلم  وتواطؤا مع الظلمة واللصوص ، أولئك الذين حرمونا من تاريخنا  وانتمائنا وجعلوا مي " ندابة" ...سآخذ أغني ما في "ملف" هذا  الحرمان من "سوس" : العلم والفن!..هذا هو البند الرئيسي في " اتفاقية الانتقام ورد العار" بيني وبين أمي!

ثم إن " السوسي" ليس في حاجة  إلى أية ثروة  مادية  ليصبح  " غنيا"، "السوسي" صبور، زاهد ، أبي، قنوع، غني بقيمه  المعنوية سواء  كان ثريا أو فقيرا ، سواء  كانت  ثروته  صغيرة  أو كبيرة و إلا هل  رأيتم  "سوسيا" يستعرض ثروته، يتباهى  بها يجعل  منها واجهة  أو يطلب  بواسطتها الوجاهة  إلا نادرا طبعا وقبل أن تتوحد أنحاء المغرب وتتداخل! ؟ كان والدي رجلا حكيما ، مسالما ، حليما ،خدوما ، محبوبا، كريما ، جم التواضع، متواضعا إلى درجة لا تصدق ، درجة تثير غضب  أمي  أحيانا كثيرة لأن حقه، حقنا بسبب ذلك ضائع باستمرار، وكان  وسيما، شغموما حقا، وأنا  أذكر  أني سمعت  في مناسبتين  مختلفتين ، امرأتين تتغزلان به وهو يتعفف في أدب  وقلت في سري " لو كنت  مكانه ، مغفل !". أكثر  من ذلك رأيته، مرات  عديدة، يقبل في احترام يكاد يكون تقديسا، أيدي نساء " ساقطات " نفس الأيدي  اللائى يقبلها  الكثيرون  اشتهاء وتغزلا كان يقبلها احتراما وتبجيلا!… كم كنت محرجا ، غاضبا!

 ولقد عاينت  كذلك ،وأنا ثائر مثل أمي، صفقات خدع  فيها  على الدوام  وسمعت  أناسا يحرضونه، فقد كان قويا، قادرا على الانتقام،  وهو يبتسم ، يبتسم  أو يستعرض  حالات أخرى : هل كان أبي قديسا، وليا  من أولياء  الله ، أم اضطر ، منذ هروبه من "سوس"  إلى لعب  دور " الضحية "، دور" الشلح" القوي "الذكي، الكثير العمل ، الجم الكرم  ولكن، المغفل" في الشاوية"؟ لا أشعر أن الوالدة كانت دائما على صواب بخصوص هذا الأمر!

 إن غضب أمي واحتجاجها  الدائم ضد هذا  لا يجعلني  أتبين " الخيط الأبيض  من الخيط الأسود  "، لكني على شيء من اليقين، اليوم،  من أن  هذا الأمر  قد يشكل لدي حافزا ومادة مهمة للكتابة: إلى ماذا تحتاج لكي تكتب غير بعض هذا " الكنز"، في الرأس، وشيء من هذا الزهد، في القلب، وندابة، في الوجدان ؟

 كانت  أمي على عكس  ذلك تماما حادة جدا، وهذا اسمها  الشخصي،  حادة و صاخبة، ثائرة، نار دائمة التوقد، وهي إذا اختارت الزواج "بالشلح" فلأخلاقه تلك، ولقوة عضلاته ووسامته، لأنه لم يكن يملك  من متاع  الدنيا سوى هذا، إضافة إلى " الكنز الضائع"!

لقد تركت زوجها الأول، الغني، وهي لم تتعد، بعد، الثامنة  عشرة ، بعد عشرة  لم تدم  أكثر من سنة، لأنه كان مصابا بالزهري (!).وتزوجت بسرعة كبيرة من "محماد الشلح"، أبي (!) ...

 هذه ثورتها الأولى على " القبيلة ". أما ثورتها الثانية  فكانت الخروج إلى مجال  العمل، لممارسة  التجارة  بعد سنوات  قليلة من الزواج  الثاني: مارست أغلب أنواع التجارة قبل أن  تستقر على تجارة  الدواجن  ما يقرب من الخمسين  سنة!

لذلك أصبحت  مشهورة  باسم حادة  الدجاجية" قبل أن تصبح " الحاجة الدجاجية"! لذلك أيضا أفخر  بصحبة النساء " المتحررات " وأزعم أن أمي  من رائدات  تحرر المرأة في المغرب!... أما ثورتها  الثالثة  فقد جاءت تتويجا  لكل كفاحها في مراحل إثبات ذاتها : اشترت أرضا وبنت  عليها  بيتا متواضعا ثم رحلت بنا من " الركادة " مركز قبيلة "المعاريف" إلى " ابن احمد" لندخل " المدينة "، بل " المدرسة" كأبناء "الأعيان"!

دخلت إلى المدرسة وأنا في الثامنة من عمري وأمرتني أمي أن أذهب ، وحدي،  لطلب تسجيلي، ابتسم  المدير  وهو يجرني  ، بلطف، من أذني : "لابد من حضور  أبيك معك أو على الأقل  أمك!…" فنسيت لطفه ، كدت أنفجر غضبا وأنا أسمع "على الأقل" بل لم اسمع إطلاقا "على الأقل أمك"؛ أمي مثل أبي تماما ، أمي تساوي مئة رجل ، كل أولئك الذين تشتري دواجنهم بالتقسيط ونصف الجملة فتكتري شاحنة وتذهب إلى الدار البيضاء لبيعها بالجملة ، أمي التي "لا تسقط كلمتها إلى الأرض، التي تمول تجارة العديد من الرجال ويحنون لها أنوفهم كالكلاب... يقول عنها هذا الشبيه بال"نصراني": على الأقل! وحل أبي المشكلة بطريقته: التواضع والطيبة!

 وها أنا  أتعلم  الوسيلة  التي بها سأستطيع " إنصاف" أمي، استرداد تاريخ الأسرة: القراءة… لا… الكتابة  إذن: كيف لا أكون متفوقا في الدراسة وشاطرا، في نفس الوقت، في التجارة حين تطلب مني أمي ذلك ؟

لم تختر أمي الطريق " السهلة"، التي تلجأ إليها بعض النساء عند الحاجة، وكذلك فعلت. كان من الممكن أن أتعلم حرفة أمي. لو فعلت ذلك لكنت الآن من كبار أصحاب المال و "النشاط" في الشاوية. لقد اخترت طريقا أصعب لم أندم، في أية لحظة من حياتي ، على اختيارها : التعليم  لأعلم و أتعلم فالتعليم ، إذا كنت تحبه ، شكل  آخر من أشكال  ممارسة " الكتابة ! وفي هذا الاختيار العام كذلك لم أختر أسهل الطرق : العلم " المقاول" فقد كان التعليم الابتدائي  " قنطرة " المرور إلى الإعدادي  ثم الثانوي  ثم العالي ، تماما  كما تدرجت  أمي  في تجارتها. إن التعليم العالي يقترن ، مبدئيا، بشيء  يسمى  البحث  العلمي، أي بشيء ما زال  لحسن  الحظ ينظر  إليه  باعتباره أرقى أنواع ممارسة " الكتابة" النظرية، العلمية. فهل لهذا السبب يا ترى  لن يجد الرجال الذين اختاروا  الطرق  السهلة ، الطرق المعبدة  أو الطرق  التي لم تخلق لهم وإنما وضعوا فيها وضعا ، أي تقدير  مني ، وألا تجد مني مثل  هذا التقدير  النساء  اللائي  لا يقاومن إلا "بالساهل "، أي "ببيع"  أنفسهن، مثلا، لرجال يحتقرون ذواتهم، أو الجلوس في البيت بائسات، مشتكيات من غدر الرجال  والزمان ؟ لن أتعاطف سوى مع " المقاومين" و" المقاومات "، أولئك الذين يشنون حربا شخصية  ضد العجز ، يتحدون في تواضع وغالبا في صمت..

لاشك أن الحرب  ضد العجز  تتطلب ثمنا غاليا في كل الظروف، تتطلب  تضحية ،  نضحي بأشياء لنربح شيئا ما ، فهل لهذه الأسباب تبدو  الشخوص  في أعمالي الأدبية في حالات أزمة، الأزمة  بمعنى المعاناة  داخل  القديم الذي يرفض  أن يموت  والجديد الذي لا يستطيع أن ينتصر  أو بمعنى  الصعوبات  التي تعاني  منها  الذات وهي تحاول أن تتحقق كذات، كمشاريع، هل هذه  صورة  أمي  وانأ أشاهدها  تقاوم، تحارب  أم هي صورتي أنا كما ورثتها عن أمي ؟وهل يمكن أن يغيب في صورة كهذه الظلمة والسالبون  للحقوق ..وأبي؟ في التجارة، أية تجارة، دائما نوع من النصب، من الاحتيال، أو الغش، شكل من الشطارة لا يتقبله وجداني: الله يجعل الغفلة بين البايع والشاري!

لو لم ندخل، تدخلنا، المدرسة، أنا وإخوتي الثلاثة الأصغر مني، لما كان لثورات أمي  معني خارج  المعيش، كانت ستترك أثرا، ولا شك، في المجتمع من غير أن تترك أثرا  في " التاريخ"، كانت ستكون بدون "وثائق"، ثورة بلا أهداف، بلا قيمة  تاريخية ، مجرد  تمرد قد يذكر كطرفة  لينسى : إن الدخول إلى المدرسة  هو الذي سيعيدنا  إلى "سوس" التي لم نزرها ولا نعرف  في أي  موقع بالضبط  يبدأ تاريخنا فيها، أقصد "سوس العالمة" سوس " الفنانة" سوس المختار السوسي والروايس" سوس المقاومة" تلك  التي  في قلب"الشاوية" التي تختلف  عنها كثيرا جدا… سنضيع اللغة، تاشلحيت، لن نعرف  منها  سوى  بضع كلمات ، لكننا  لن نضيع الذاكرة ، بل سنستعيدها بتعلم  القراءة ، عن طريق  التعرف على " أجدادنا"، مثل المختار السوسي، إذن ستبقى "سوس" وبداخلها "كنزنا"رمزية، رمزية فقط ، وحتى  في "ابن احمد" حيث يوجد عدد مهم من "السوسيين"، الأغنياء النافذين، ورغم أنه  ستنشأ معهم  علاقة عن طريق والدي  وأخي  الأكبر مني فإن علاقتي  الحقيقية  ب "سوس" و"السوسيين " ستضل معنوية فقط: سوسنا" هناك، في مكان ما من جنوب المغرب لا نعرفه إلا بالاسم، تاركجونت، وليست  في "الشاوية"، "سوس" التي كانت تطالب بها أمي ويهرب منها أبي.

"الشاوية" أسطورية، بطبيعتها وتاريخها، على الأقل منذ البورغواطيين، وتزداد هذه "الأسطورة " كلما  ابتعدت عنها وقرأت تاريخها واستمعت  إلى ما يحكي  عنها من خارجها ، لكن "سوس" أسطورية لأنها، بالنسبة  لي ليست "واقعية"، محصورة في حيز، إنها  مجرد حكايات عن مكان ما، مكان لا أعرفه بالضبط  وأناس  لم التق بهم قط…ترى ألهذه الأسباب  سيظل" المكان" مكانا " حافيا" في رواياتي الأربع الأولى  ولا أستطيع أن اكتب دون مزج التاريخ بالأسطورة، دون  أسطرة  التاريخ  والمجتمع؟

هكذا أكون قد انتقمت  لأبي ، بفضل  إلحاح  أمي ، غير أني  قد انتقمت  لأمي  كذلك ، بدقيق المعنى  هذه المرة: سأكتشف أن أمي " العروبية" ذات  جذور سوسية بدورها! إذن  أن دعوتها  للمطالبة بحق  آبي في "سوس" كانت  كذلك مطالبة  بحقها في "سوس"، بحقها من التاريخ الضائع، تاريخها الخاص الذي لا يمكنها بدورها أن تقدمها كاملا لأولادها: مكر الوجدان، قد يجعل رجلا، أو امرأة، مجرد وسيلة ذاتية في يد، أو لسان، الزوج!

هكذا ستكبر القضية: إن تاريخنا طويل في الشاوية  بقدر ما فيه  من سوس،  إنه تاريخ "الأم" التي توثق  العلاقات المادية  مع الزمان  والعلاقات  المعنوية  مع المكان ..

هذا الاكتشاف سيحقق  المصالحة مع " الشاوية" وسيعطي  لرموزها  أبعادا  أخرى ن وأنا منذ سنوات ، بدأت اكتب عن " الشاوية" بمنظور غير منظور " السوسي " المنفي فيها ، أنا  ابن "الشاوية"، ابن أمي  المختلطة الجذور و"سوس" واحد من هذه الجذور ، تماما كأغلبية أهل " الشاوية "، كأغلبية  المغاربة الذين يصعب  عليهم  أن يحددوا كل جذورهم على وجه الدقة ، فالمغرب ، الآن في وجداني، وحدته ثقافية وسياسية، وحدة لا دور فيها للعرقية بأي وجه  من الوجوه؛ الإثنية ثقافية ليس إلا!

نسيت أن أذكر أن أمي "فنانة" وأن  العرس  الذي تنقص من بين نسائه  "حادة" تنقصه  حدة "العد" و"التعريجة" وأن "الشيخات" لم يدخلن قط إلى  بيتنا  في المناسبات "السعيدة" ثم أن أمي صاحبة قرار  ورأي مسموع ، منذ أصبحت  حرة، سواء في العائلة  أو في محيطها  الوسع، "شخشية"، هكذا بدارجة الشاوية: للحرية تمن، قد يكون غاليا جدا، لكن الربح أكبر!

هل تحتاج الكتابة  إلي أكثر  من هذا ، مادة وحافزا؟إن بعضها كان سيكفي!

وعلى كل حال، ما زالت  الحاجة  حادة الدجاجية، في جسدي ، صاخبة، آمرة:"كن رجلا واستعد ثروة أبيك، ثروتنا التي أكلها الظلمة المعتدون!"…بينما هو يتأملني بابتسامته الصغيرة وكأنه يتحداني: " لنر ما يمكن أن تفعل!" أو يحذرني: " لا تغتر بثروة، أو جاه، فإنها قد تسلب منك في أية لحظة، فتقعد تعيسا!"

وانأ ما زلت  أتساءل، برغم كل المظاهر التي قد لا يفهمها طفل: هل كانت  تحبه إلى هدا الحد، إلى درجة أن تجعل من تاريخها تاريخه هو، أن تمتزج وتتوحد به بهذا الشكل؟ ..و..لم جعلت من حبها لي، وله، حنوا تقسو به علي: لم تحملني كل هذا الإرث؟

 أتخيل  أنني  إنما  أكتب  لأستعيده لها، " الشلح "، وأستعيده لي، في...فيها!

وربما كنت أكتب فقط لأبرهن لها  على أنني أهل لثقتها  في حمل  صوتها المنادي بحقنا في التاريخ وحين أتعب أشكوهما  إلى بعضهما  البعض  أو أقول لها يائسا : " لن تكون لنا  لا أرض ولا بقالة، ثروتنا  معنوية ، رمزية… هذا كل ما أستطيع  من أجلك وكيفما كانت الحال، لك أربعة  أولاد غيري وبنت، فلا تنتظري مني فوق طاقتي، إني كاتب من المغرب، وبالعربية! "

حينها أشعر أني أكتب فقط لتعويض خيبتي، وخيبتها، في التجارة...لو اتبعت طريقها: كان والدي في طريقي،الصورة الأخرى، أو الوجه الآخر لوجداني!

 

 

 

 ساعة الدجاج

 

 

مازلت أسمع صوته - إلى الآن وكأنه يكرر أسطوانة حافية- وأنا أدخل إلى الدار البيضاء وحدي لأول مرة:

- الشاوية ما فيها غير مدينة وحدة، والبقية كلها دواوير وفيلاجات !

       كنت قد امتطيت الحافلة، صحبة هذا العجوز، من غراج ابن احمد:

-       أولاد حريز، و لمذاكرة، أولاد عمنا، غير عيبهم مساكين، وحتى زين ما خطاتو لولة: هما أقرب منا للدار البيضاء، يضيف العجوز النحيف الملتحي!

 ويسكت ثم يتابع كأنه يشمت:

   - لو كان حب ربي وراد، ولو كان ما كانت فيهم زازة، كان يزيد يقرب امزاب من كازا !

       ويسكت مرة أخرى ثم يضيف كأنه يبكي هذه المرة:

ـ كان يعمل لهم طريق تاهما، كيف مديونة وأولاد زيان !

 أنا ولدت في "المعاريف" وبها قضيت الثماني سنوات الأولى من عمري بين الغنم والكتاب والحلم:

   - نحن، المعاريف، لنا حومة كبيرة في الدار البيضاء: حي المعاريف، المعاريف قبيلة أمي وبها تربى والدي !

       يضحك العجوز من غروري فأتذكر أنني أقيم بابن أحمد، منذ ست سنوات، بين المدرسة والدجاج:

ـ آه، أنت ولد العفريتة حادة الدجايجية والدرويش محماد الشلح، الله يعمرها دار !

       تجاهلته خوفا من أن تهرب من لساني، برغم "الله يعمرها دار !"، تلك العبارة التي تدور مع لعابي:

  - أمي احسن من ألف منك، ألعيفة، وبويا "شريف" خانو الزمان فالصغر كيف خاين كذا من طفل !

       تافه يلغط، مالي أنا ؟ خلي الكلب ينبح، العيفة !

       لقد أيقظتني مع الدجاج قبيل الفجر، وقد كنا دائما ننام ونستيقظ على "ساعة الدجاج" هذه:

   - فهمت لكلام مزيان ؟

   - مزيان، كل شي !

   ـ  وسير بوك دير نص سخرة ولا سخرة لاروب !

       تذكرت بسرعة كل ما قالت لي البارحة قبل النوم: نسيان حرف منه معناه العصا على الجوع، الفطور من لحمي!

 ـ  تمشي عند خالك "ج" الدجايجي. يعطيك لفلوس كاملة، عشرين ألف ريال. تعملهم فالسرة، وتحزمهم تحت السروال، رد بالك، وإياك أبو نوارة يخصك منهم شي فرنك ! شوف، هاه، وثق أف شي واحد ! وشوف، تكون عندي قبل الوحدة، قبل ما نرجع من السوق !

وأضافت، بحنان عنيف، وأنا أفتح باب الدار:

  - وخلي يضربك شي كار ولاكاميو !

الثامنة صباحا، عوينة الصابون. أغسل يدي، ثم وجهي، ثم رجلي، أترك أطرافي تنشف في الهواء. كان لا يزال هناك ماء في عوينة الصابون، الدعيدعة، عين الجدد، عين الضربان، عين الركادة، أين اختفت كل هذه العيون ؟ طفولتنا كانت مليئة بما يقوي النظر: الماء الجاري والأرض الخضراء والوجوه الصبوحة !

 وعلى كل حال "خالي ج الدجايجي" لن يكون في الحانوت قبل التاسعة، إلا أن الحياة في "القريعة" قد انتعشت وبوثيرة لا قبل لأهل الدواوير والفيلاجات بها ! أكثر زبناء "خالي ج" من النساء. ما أجمل هؤلاء النسوة، الزين والفلوس والمظهر، أستغفر الله !

  - الشاي والسفنج سخون، لا ... اللوز، أسيدي، اللوز والخبز سخون لولد الحاجة حادة !

لم تكن قد حجت بعد، لكني كنت أعجب لكل هذا التقدير، لكل هذا الخوف منها: "الكلمة" والمال!

 - أمك معمرة اشحال من دار، الله يخلف عليها، و"كلمتها" موس !

 كانت آنذاك "تلعب" في المال، لكنها لم تشعرنا قط بأننا أغنياء، بغير "الكلمة" و"الذراع"، أي "الكتاف" والمهم أنها لم تشعرنا بأننا "فقراء"!

-  وما تمشي أسيد الميلودي حتى تتغدي فالدار !

 وتأتي البنت النظيفة النحيفة، ذات العينين الجاحظتين، تسبقها رائحة القرنفل، وهي تحمل القفة التي يفرغها "ج" من البراد والحلوى ليملأها بالمواد الغذائية الطرية:

-       براد الربح وحلوة الصحة، مولاة الدار، لعمارة !

 ويلتفت نحوي:

   - تمشي مع أختك هنية للدار، تاكل ماكلة الدار وترتاح شوية !

في بيت صغير ببلوك سيدي عثمان، ولكن مرتب ونظيف، تظل تسألني البنت:

-       نجيب لك شي حاجة، حلوى، غريبة ... تشرب أتاي، مونادا ... تغسل رجليك!؟

إلى أن تدخل الأم:

- فين وصلت فالقراية، قالوا لي أنت مزيان فالقراية !

 وأرد مزهوا كأني جئت أخطب هنيه:

  - هذا العام فالشهادة، العام الجاي فالكوليج !

ما رأيت قط فرحا كالذي يغمر هذه الدار، خاصة عندما يعود إليها "ج" بعد أن يخلفه "ك" في الدكان ! أكلنا في مرح ونام الرجل قليلا ثم "أيقظني" باشا:

  - يا الله ألأستاذ، سيد الميلودي !

هذا الرجل من "عندنا"، كذلك المرأة، ولكن من أين جاءا بكل هذا اللطف، هذه السعادة !؟

تقبلني الأم "إ"، بحرارة، بينما تمد هنيه يدا مترددة نحوي، وهي تمسك بالأخرى "سطيلة" في قفص !

   - غير تقبض الشهادة إن شاء الله وتجي تكمل عندنا القراية، تقول "إ" !

كنا في شهر أبريل. عطلة ! اصطحبني إلى "الحلقة"، العالم كله يضحك، ها هنا، تمنيت لو قضيت العمر كله، ها هنا، ولكن أمي بالعصا في انتظاري !

   - آخر كار في السادسة، من غراج علال !

كنا في الحانوت، صحبة شريكه "ك":

   - احسب لفلوس مزيان !

  - عشرين ألف ريال !

قال "ك":

 - توصلو ولا نوصلو لغراج علال ؟

رد "ج" حازما:

  - لا، يعرف الطريق !

وانتحيت ركنا من الحانوت، فغطست رجلي في "المذبحة" ثم "غسلت" منها وجهي: عشرين ألف ريال، الضحك هذا: ضروري التنكر !

   - آه، آه ... سر اغسل وجهك من الدم والريش، قال "ك" !

فقال "ج" غاضبا:

  - ادخل "سوق راسك، أك ... الدري عارف مايدير !

 وخرجت من الحانوت وأنا أردد:

   - الله يعاونكم !

       متوجها إلى نفسي بالدرجة الأولى، إلى أن جاءني صوت "ج" من جديد وأنا أتوغل في رحبة الدجاج:

  - ما تنساش العام الجاي، الكوليج !

كل تفكيري كان في "السرة' وفي أمي: ستعاقبني على التأخر بلا رحمة!

  - تكون "خرجت لها الكبدة" على الفلوس و... علي !

حصلت على الشهادة الابتدائية "بتفوق"، أعطيت منحة للدراسة بخريبكة رغم أنه كانت هناك إعدادية في ابن احمد ورغم أن الدار البيضاء:

  - عامرة بالكوليجات والليسيات، قال "ج" لأمي !

لم أعد أجيء إلى الدار البيضاء لا وحدي ولا صحبة أمي إلى أن تقدمت إلى امتحان، بل مباراة، توظيف المعلمين المؤقتين ـ بتوجيه من محمد نوبير الأموي وعبد الكريم مطيع ! ـ بعد حصولي على البروفي سنة1966. عينت في "مدرسة المسجد" بسيدي عثمان، وكانت أول اسم في لائحة رغباتي !

سكنت عند خالتي "إ" وخالي "ج" ! وكانت أمي تبعث إلي، كل اثنين، ببعض الزاد مع الدجايجية، فأذهب لتسلمه، من القريعة، مرورا بعوينة الصابون !

كنت قد تزوجت قبل أن تسوى وضعيتي المادية...

       بسبب هذه الوضعية انتقلت إلى المحمدية !

 سأعود، سنة ،72 إلى الدار البيضاء، للدراسة في المركز الجهوي بالحي الحسني، سأطلب تعييني بعد التخرج، سنة 74، في الدار البيضاء، لكني سأرسل إلى الناظور !

 وسأعود من الناظور إلى الدار البيضاء، سنة 76، للعمل في ثانوية مولاي إسماعيل والسكن في بلوك سيدي عثمان!

سألتحق بالجامعة، في مكناس، سنة 82، وسأظل أنتقل، بين مكناس وطنجة والرباط، إلى الآن على أمل أن أعود، ذات يوم، للاستقرار نهائيا بكازا أو ضواحيها ! ...

 يلح الأهل، من حين لآخر، على إنجاز هذه العودة، ولو بالاقتراب من الحاضرة العظمى، بالسكن في المحمدية، أو الرباط، مثلا، فأعزي النفس قائلا:

   - إن مكناس ليست فقط صورة ما من الدار البيضاء، إنها أكثر من ذلك: باريز صغيرة!

لا أرتاح كثيرا في حي "المعاريف"، يزعجني "ضيقه"، وبناياته الغريبة عن بنايات الهوامش المسماة "اقتصادية". وعلى العكس فإني أشعر بالألفة التامة في سيدي عثمان وفي القريعة، خاصة قريعة أيام زمان.

 صحيح أن علاقاتي الشخصية، وضرورات المهنة، وكذلك تلك الرغبة في امتلاك شيء من كازا الأخرى، قد ربطتني، فيما بعد، بالجهة البحرية من المدينة. وبالرغم من أني استطبت المقام في مدن أخرى، خاصة مكناس والمحمدية والناظور، فإني مازلت إذا سئلت:

   - من أية مدينة ؟

       أرد بلا تردد:

   - من الدار البيضاء !

       يستطيع كل من يبيت في الدار البيضاء ليلة واحدة، بنية الإقامة، أن يقول:

-       أنا بيضاوي !

الأمر الذي لا تسمح به أية مدينة أخرى!

لكني بيضاوي حقيقي. ذلك أن هذه المدينة، بفضل مهنة أمي والقبيلة التي ولدت فيها، ليست سوى امتداد طبيعي لابن أحمد والمعاريف، وقد أقام فيها والدي صبيا قبل أن ينتقل إلى قبيلة المعاريف: لقد فتحت عيني، وخاصة أدني، على القريعة وسيدي عثمان أكثر مما فتحتهما على أي مكان آخر بفضل تجارة الدجاج ! ....

والواقع أني بقدر ما أحب الدار البيضاء، بقدر ما أكرهها، كما أتمنى أن يكون واضحا في الكثير من كتاباتي، خاصة رواية "نساء آل الرندي": ترى ألهذا السبب لا أكف عن الاقتراب والهروب منها ؟

هكذا، على كل حال، وبشكل ذاتي طبعا، أفهم تلك العبارة "الشاوية": ليس عندنا سوى مدينة واحدة، هي الدار البيضاء، والباقي دواوير وفيلاجات، مهما اتسع وكبر!

 وأنا لا أستطيع أن أفهم منها أن الأمر يتعلق، على مستوى معين، بتصفية حسابات تاريخية متوارثة وأخرى طارئة، كما هي الحال في جهات أخرى لم تتصالح بعد مع تاريخها، لأن الدار البيضاء هي اليوم حاضرة المغرب كله !

لكن سيدي عثمان كان يشبه كل "الدواوير والفيلاجات"، ليس في الشاوية وحدها وإنما في المغرب كله! ثم إن سيدي عثمان ليس محصورا في حدوده، التي لم يعد لها اليوم حد، إذ طالت تيط مليل، وربما سيدي حجاج، ولكنه مجرد درب من دروب "الحاضرة العظمى" التي تحيط ب "مدينة ليوطي": البرنوصي، المحمدي، الحسني، عين الشق، الخ ... !

       وأما سوق القريعة فإنه الصورة المكتملة لأية سوق من أسواق تلك الدواوير والفيلاجات!

       كذلك غراج ابن أحمد، أو أي غراج آخر، وقد كان الواحد منا يصعد إلى الحافلة، ويغمض عينيه حتى الغراج الآخر، وكأنه لم يغادر الأول! ...

       لا يتعلق الأمر، ها هنا، بأية صورة "طبقية" للمدينة، وإنما بالصورة "الحضارية"، وبشكل من أشكال الكينونة، بصور صغيرة جدا، بعيدة جدا، تؤسس الرؤية و العبور إلى الكون !

       إنني أومن بأن الرواية تحتاج إلى "المدينة"، فالرواية "ملحمة بورجوازية"، ولاشك، لكنني أفهم البورجوازية من ناحيتين:

ـ الأصل الاشتقاقي للكلمة.

ـ القيم البورجوازية.

أولا، إن ما يمكن ترجمته بالبلدة أو القصبة وحتى الضيعة، مشرقيا، وما قد نترجمه، مغربيا، بالفيلاج أو القرية، أي البورغ، هو ما ستشتق منه، لغويا، كلمة البورجوازية، تمييزا لهذه الفئات أو الطبقة، التي لا تشتغل بيدها، مقارنة مع العمال، وإنما تعيش من توظيف رأسمالها المادي أو الفكري أو الوراثي، و بالتالي من استعمال، أو استغلال، أيدي الآخرين الذين لا يملكون هذا الرأسمال...هذه الفئات كثيرة في القرى والهوامش، في الفيلاجات، وتستعمل بالفعل العديد من الناس أو تستغلهم، ولقد كنا، ونحن أطفال، نحس بوجودها المتكبر المهين أكثر مما يحس به الكبار:أبناء الذوات التي تتكبر علينا وتتمختر ولم نكن نقهرها سوى بالعنف أو الحيلة! هذه هي" البورجوازية" المغربية، بفئاتها المختلفة، كما يعرفها أبناء القرى و الفيلاجات وهوامش المدن، والتي تزداد استعمالا لغيرها كلما توغلنا في مراكز المدن غير المفصولة عن الهوامش، مثل الدار البيضاء. ولن يقنعني أحد بأن بورجوازية طفولتي غير هذه "البورزوازية" كما كانت تنطقها أمي!

 ثانيا، إنه لامعنى للبورجوازية، التي نتحدث عنها في الرواية و العلم والسياسة، بدون القيم البورجوازية. كل بورجوازية بلا هذه القيم، قيم الحداثة والمعاصرة، مجرد" بورغواجية": بورجوازية الأغنياء الجدد والنهب والسخرة التي لا تختلف كثيرا في المدن عنها في الفيلاجات والتي يتمت والدي وحولته من "بورجوازي" إلى أجير!

إذن "البورغواجية" تكاد تكون واحدة، في المغرب، وفي أغلب المجتمعات النامية، سواء كتبنا عنها في المدينة، عندما نستطيع التمييز بين المدينة والبادية، أو في الفيلاج والهامش: لهذا أستغرب لمن ما زال يربط الرواية بضرورة وجود البورجوازية!

ولكني، مع ذلك، لا أستطيع أن أكتب الرواية بدون قيم البورجوازية، أي بدون قيم الحداثة و المعاصرة. وهذا شيء مختلف تماما عن ضرورة وجود البورجوازية في المغرب، أو في خارجه، بما في هذا الغرب، لأني، بتبني قيم الحداثة و المعاصرة،  أقدر، كما فعل فلوبير وبلزاك و العديد من الروائيين الغربيين الآخرين، أن أكتب عن الفيلاج والهامش المديني والبادية من هذه الزاوية: ليس المهم إذن أن يكون أبطالي أو فضاءاتي بورجوازية، وإنما الأهم أن أنطلق في ذلك من تلك القيم المسماة حتى الآن"بورجوازية"!

الدارالبيضاء، والرباط إلى حد ما، هما المدينتان الوحيدتان اللتان توفران للكاتب هذا الفضاء الخليط من البورجوازية و البرزوازية والبورغواجية، لكنهما، وكأن الأمر مجرد صدفة، اقل المدن حظا من الكتابة الروائية، لحد الآن!

لذلك أشعر، كلما اقتربت، في الكتابة، من مراكز هاتين المدينتين، أني أشرف على الهاوية، فأتشبت بالدارالبيضاء، بتلك " الحاضرة العظمى" التي تضم كل فئات "البورجوازية"، والتي تجمع ما بين  " المدينة" و "الفيلاج"،  في مراكزها وضواحيها القريبة والبعيدة: هذا عالمي الوجداني، وهذا مجمع القيم الجميلة والبشعة، قيم المعاصرة والحداثة كما تعاش، اليوم، في المغرب، مقلوبة أو مغشوشة أو مبشرة أو عابرة! فهل أنجح يوما في كتابة روايةبهذا الغنى وهذا التعقيد؟

لقد خلقت أكثر من مدينة، " المنسية" و"جزيرة العين" و" الصالحية" مثلا، لكن كل مدني تشبه هذه " الحاضرة العظمى"، التي توجد في كازابلانكا، أو الرباط، أو" ركادة المعاريف"، أو"فيلاج ابن احمد"، أو مكناس، أو الناضور، أو طنجة... لهذا لا أشعر بالغربة في أية واحدة منها، وأنا أكتب عنها، أو منها، بطبيعة الحال، منصتا إلى دقات وحركات "ساعة الدجاج"!

ولكن الآن، وأنا أعيد ترتيب هذه الصفحات، لم يفارقني طيفا هنية وأم هنية؛ أسفي على صغري سني، آنذاك، والجد المفرط الذي كنت أتصرف به: هل تحتوي الكتابة على بعض التعويض الجنسي أو العاطفي؟


الدخول إلى المدرسة

 

      

 

الصوت الكاتب: الكمنجة *

   

  قد يشكل الاهتمام بالعيطة،على الأقل بالنسبة إلينا نحن الذين ولدنا في سهول المغرب ومراسيه الوسطى، نوعا من الحنين إلى طفولة مسها بعض الصدأ وربما بعض الدنس، وهو أمر بشري، أو إنساني، عاد جدا لا ينبغي أن يخجل منه أي واحد منا ولو فقط لأن الطفولة مكون أساس في كل راشد، ولقد قيل إن الطفل أبو الراشد!

       غير أن الاهتمام بفن مغربي عريق كفن العيطة يستجيب لمتطلبات أخرى ليست أقل قيمة من الطفولة والمنشإ سأكتفي بذكر بعضها بسرعة:

       أولا، إن المغرب ينبغي أن يدخل بكل تعدده الثقافي والفني إلى العولمة إذا أراد أن يتطور محافظا على أعمق ما يشكل هويته ويلحم الانتماء بين أبنائه، أي وجدانه.

       ثانيا، إن كل مجتمع محكوم عليه بالتطور يجب أن يحافظ على توازنه العميق أو الباطني، الفني والثقافي، وهو يتطور، وقد كان دائما جانب كبير من قوة هذا البلد في قدرته على استيعاب ودمج تعدده الثري.

       ثالثا، ينبغي أن نقاوم، بالحوار والدعوة، كل أشكال البتر والتجزيء في الثقافة المغربية القديمة والحديثة، كيفما كان الاسم والتبرير الذي تتم به، وبعبارة أوضح إن مغربية كل واحد منا ستغتني وتتقوى يوم يصبح بإمكان كل مواطن مغربي أن يستمتع بكل ألوان الفنون المغربية وألا يشعر حيال أي منها بالنقص أو الاحتقار.

       رابعا، وانسجاما مع كل ذلك، ينبغي إعادة الاعتبار إلى كل مكونات الوجدان المغربي، تلك التي استطاعت في فترات ازدهارها أن تنسجم مع كل مقومات المغرب الفكرية والروحية، لتنمية الذوق والحفاظ على ذاكرتنا وتسليحنا بعناصر المقاومة وحفظ الكرامة. ولن يتسنى لنا ذلك إلا بأمرين متكاملين:

أ‌-   إحياء ونشر النماذج الراقية منها.

 2- استلهامها في إنتاجاتنا المعاصرة.

وتحتاج كل الفنون المسماة شعبية، وعلى رأسها العيطة، إلى تنقيتها من الكثير من الرواسب التي علقت بها مع الزمن والتي صبغتها بالعديد من ألوان الهجانة:

كما تحتاج إلى أن ننظر إليها مجتمعة و متكاملة، أي باعتبارها تراثا مغربيا قد يختلف من جهة إلى أخرى، وقد يمتد إلى مناطق أبعد، مثل جيراننا في الجزائر وموريطانيا، لكنه إرث واحد مشترك بين كل المغاربة، أي وجدان واحد غير قابل للفصل، إذن أهم مكون للمواطنة العميقة والتعبير عن الانتماء إليها.

ولاشك أن الزمن لن يرحم هذه الفنون، أو على الأقل بعضها أو مظاهر منها، لكنا نستطيع أن نحافظ عليها بجمعها وتوثيقها وتشجيع تكوين فرق من الشباب لكي تبقيها حية وتنشرها وربما تضيف إليها.

غير أن " تأصيل الفنون الحديثة"، مثل المسرح والسينما والرواية، يمكن كذلك أن يتم عن طريق هذه الفنون الشعبية، أعني ربط هذه الفنون الحديثة بالوجدان في المغرب. وهو أمر يتطلب، من جهة، امتلاكا كافيا لروح وتقنيات هذه الفنون، ومن جهة أخرى، استلهام روح وأدوات الفنون الشعبية المغربية من سخرية مثلا وأساليب تعبيرية من غير السقوط في أية توفيقية زائفة أو وهم استنباط الفنون الحديثة من التراث أو استهام الاكتفاء بالذات.

ولعل أغنى مثال على هذا المستوى، في تاريخ المغرب الحديث، هو ما تنجزه الأغنية المغربية المعاصرة حينما تجمع بين الصنعة والموهبة واستيحاء الإيقاعات المغربية الأصيلة المتنوعة. ولكن فنونا أخرى، مثل السينما والمسرح والرواية، لا تستطيع أن تغض الطرف عن هذا التراث وتبدع من غير الاستعانة به.

فأنا ككاتب تهمني أساليب الحكي في هذه الفنون كما تهمني روح التهكم فيها والجوانب التعبيرية والجمالية ومستويات اللغة وسجلاتها وأعتبرها ضرورية للإمساك بشيء من الوجدان المغربي الذي أكتب منه وأتوجه إليه. ولأنها الجزء الأساس من تكويني وفي تربية ذوقي، في الصغر، فإني لا أتصور أي إمكان للتخلص منها، بضربة نظرية، أو الاستغناء عنها، بالتشبع بوجدانات أخرى كما  لا أستطيع الاكتفاء بها وحدها والانغلاق بداخلها.

 ولهذا فإن استلهامها ليس استنساخا لها، لكنه توظيف، أي إبداع. وبهذا الإبداع نتخلص من التوفيق والاستنساخ كما نفتح تلك الأدوات على ما لا يحصى من الإمكانات وتعدد الاستعمالات مطورين وجداننا من الداخل، أي نفتحه على العصر بتلقائية ذاتية.

ومعنى ذلك أنه ليس هناك طريقة واحدة، ولا وصفة جاهزة، لاستلهام هذه الفنون وتوظيفها داخل فنون حديثة، فكل كاتب يستطيع أن يستلهمها بطريقته، والكاتب الواحد نفسه لا يستطيع أن يوظفها بنفس الطريقة في مختلف أعماله.

إن العمل الذي أقدمه في هذه الشهادة ليس أكثر من طريقة، وربما مرحلة، من طرق استلهام بعض فنون الحكي الشعبي في كتابة رواية، وسيكون هذا الجهد بلا نتيجة، بطبيعة الحال، إذا هو لم يوفق في كتابة رواية تنتمي حقا إلى جنس الرواية كفن حديث. فاستلهام هذه الفنون " الشعبية" إذا لم يتم بطريقة تفتح ذاكرتنا، وكذلك متخيلنا، على العالم، وهي تجمع المغاربة وتوحدهم في وجدان مشترك وآفاق متضامنة، فإنها قد تكون غير جديرة بالبقاء والعناية أو أن مستلهمها لا يعرف صنعته أو يجهل تراثه. وكما أن أعمق أشكال الانتماء إلى المواطنة هي تلك التي تتم انطلاقا من الوجدان المشترك فإن المواطنة انتماء إلى العالم، أي إلى الإنسانية.

       إن العيطة، او الملحون أو الأندلسي مثلا، ليست مجرد تراث مسه بعض العبث، ولكنها وجدان، وذوق، قلب وعين وأذن، أي رؤيا، وبالتالي نمط وجود، أسلوب في الانفعال والتصرف. ولهذا فإن لهذه الفنون روحا وقالبا يمكن استلهامه على مستوى الفنون الحديثة كالرواية أو المسرح، ولكن بالمحافظة على هذه الروح وهذا القالب.

       من هذا المنظور، سأحاول أن أقدم  شيئا من تراث شخصية شفاهية لا يعرفها إلا القليلون من المتابعين للمكتوب، شخصية الشيخ المعطي الكمنجة.

       أؤكد أن شخصية الشيخ المعطي الكمنجة شخصية شفاهية، كل تكوينها من فن العيطة والتراث الشعبي، وكل إنجازاتها تنطلق من هذا المجال وتصب فيه، لكنها كذلك شخصية كتابية لأني اكتشفتها وتعرفت عليها في عمل مكتوب أراد له صاحبه أن يصنف في جنس الرواية ويحمل عنوان "شجر الخلاطة" حيث نتعرف على رجل بهذا الاسم طوال الرواية لنكتشف، في فصلها الأخير، أنه قد يكون امرأة تحمل اسم رقية، أي أم الشيخ المعطي الكمنجة ذاته، أعني أن الكاتب يجعل من حياة هذه الشخصية أسطورة بكل ما في معنى الأسطورة من بطولة وتأسيس وقدوة أو نموذجية، من سمو وتدن، من قدسية ودنيوية، وربما من ذكورة وأنوثة.

       ولذلك قد يكون الشيخ المعطي الكمنجة، من هذه الناحية، نموذجا لكل شيوخ العيطة في المغرب، رجالا ونساء، ولا يهم إذن كونه امرأة أو رجلا، لكنه نموذج لشيخ أو شيخة سنوات الاستعمار والاستقلال الذي قاوموا كل شيء من أجل أن يبقى فن العيطة فنا نقيا، راقيا، أي فنا معبرا عن الوجدان المغربي في صفائه وعمقه، بحيث يستحق الفنان، أو الفنانة، لقب الشيخ، صوت الكرامة والوحدة والجمال.

       ولاشك أن مهمة كهذه تتطلب الكثير من البطولة، فهي نوع من الرسالة المقدسة، أي تتعهد أصلا بشريا، أو حلما هو حلم الكرامة والجمال، إذن الحلم بالسعادة، بالرعاية والتطوير، حيث تلتقي صورتهم بصور الأولياء والصالحين والمجاذيب، أعني حيث تتحقق ألوان من الخلاطة أو الاختلاط في سيرتهم، كما في سيرة، أو شخص، بوشعيب البيضاوي أو باعوث مثلا، ونتلقاها في وعينا مزيجا من القدسية والدونية، من النقاء والدنس، من السمو والتردي، مزعجة ومطمئة في نفس الوقت، تستحق التقدير كما تستحق قدره من السخرية.

       ولأن هذه الشخصيات تحس، بفضل هشاشة وجودها وقوة حدسها، بمأساوية وضعها، وعبره بخفة الوضع البشري كله، ولأن لا أحد من هؤلاء الشيوخ، أو الشيخات، يشعر بأنه نبي أو رسول أو ولي صالح حقا، إضافة إلى صعوبة هذا الوضع الأخير نفسه، فإنه يصعب أن يوجد فنان شعبي من هذا النوع بدون أن يتسلح بما يكفي من الهزء أو التهكم لتحمل وضعه، ووضعنا البشري، من جهة، ولخلق المباعدة الضرورية للتعبير عن ثقل الجد في واقعنا، من جهة أخرى، لأن كل فن عميق فن ضاحك، حتى المأساة المبكية تعد للضحك، وإلا ماذا نستطيع أن نفعل ضد القدر في التراجيديا اليونانية مثلا، بعد أن نكون قد فعلنا، أو فعل هو، كل شيء، هل نستمر في البكاء والنوح ؟

       إننا لا نرتقي حقا إلى الوضع البشري إلا بوسيلتين اثنتين: المحبة والجمال. والجمال مبهج، أي ضحك باطني لا نرى إلا نوره المشع فينا، بينما المحبة أرقى أسلحتها السخرية، أي الضحك الجارف، المعدي، سواء كان مجرد هزء أو كان تهكما، وليس أشد سخرية من العاشق نفسه، ولا أحد منا على وجه الإطلاق يستطيع أن يستمر في الحياة، أن يستمر فيها عاقلا، أو يقبل عليها بدون هذه الأدوات الثلاث: الجمال والمحبة والضحك ! يستطيع المرء أن يمتلك من القوة والجاه ما يفيض عن حاجته، لكنه لن يشبع من المحبة والجمال والضحك، لن يكون لحياته معنى ولا طعم ولا قوة بدون ذلك.

       ولهذا فإن كل فن جاد جدا ليس فنا بالمرة، إنه فن لم يرق بعد إلى جد الحياة، تلك التي تغتني بالجمال والمحبة والبهجة، أي لا يدرك قوتها الكامنة في هشاشتها، ولا صفاءها في اختلاطها، ولا معناها في لا معناه، إذن يخطئ التعبير عن الوضع البشري ويكتفي بملامسة سطحه أو مظاهره. ولهذا كذلك فإن التشاؤم ليس سمة ملازمة للفن الحقيقي، إنه كالبكاء، مجرد صورة للضحك، للتفاؤل والأمل. وعلى كل حال فإن كل فن لا يتوفر على قدر معين من البهجة لا يتوفر على قدر من الحياة، أي قدر من الفن : الجمال والمحبة والضحك روح، أو شمس، كل من الحياة والفن !

       وهذا بعض ما يمكن أن نتعلمه من فنونا الشعبية الراقية، كالعيطة، قبل أن تتسرب إليها بعض ألوان الهجانة، كما نتعلمه من كل الأعمال الكونية العظيمة. وربما كان هذا فقط ما ترسخ في وجداني من هذه الفنون، من بعض نماذجها، وما استطعت أن أتعلمه منها فوجدته في شخصية الشيخ المعطي الكمنجة: المبكي المضحك، والمتشائم المتفائل، والعاجز المقاوم، والكاره المحب، والحقير المتعالي، والمتدني السامي، والمقهور القوي، والغبي الذكي، أو الذكي الغبي ... هذا الرجل الذي اكتشفته في تلك الرواية، بنوع من البنوة أو الانتماء الروحي وغير قليل من الغبطة والحسد. ولكن تراثه الذي يحمل اسم "زغب كمان" لا تعرفه إلا كمشة صغيرة جدا من الأصدقاء لأنه لم ينشر بسبب رفضي، في ذلك الوقت، أن يفهم كتزكية ل، ومساهمة في، نوع آخر من تشويه التراث الفني المغربي تحت غطاء " إعادة الاعتبار" لبعض الجهات من منظور " السلطة" أو منظور بعض "ردود الفعل الذاتية" تجاه تلك السلطة أو تجاه "جهات أخرى" !.

       ولقد اكتشفت هذا الرجل تماما كما اكتشف هو الفن، يقول الشيخ المعطي كمنجة:

       " أنا اللي علمني الكمنجة جن اكحل مشرط ابحال الزيتونة ... دار معايا موعد واحد الليله فالبطوار ... الصباح اصبحت معلم ... ألا ... كنت كندندن من الصغر وديما معايا الطارو ... وغير شافني واحد لعشيه عند الجيران كال لي:

_ انا غادي نعلمك الكمنجة بشرط !

 كلت لو:

- ما هو ؟

كال لي:

-  ما ترزقش الله بها !

 كلت لو:

_ جاتك !

كال لي:

- وما تمشيش بها لعين الدياب !

كلت لو:

- في يديك !

 كال لي:

- اوصل علي بعد لعشا للبطوار ! "

       ولذلك يرتبط الكلام، الشعر والحكمة، بصورة من صور هذه القوة السحرية، القوة فوق العادية التي لا يتمكن منها إلا المخلوط إلى حد الصفاء أو الصافي إلى حد الاختلاط، يقول الشيخ المعطي الكمنجة:

       «  لكلام تا هو ابحال بنادم ... كاين لكلام الساهل الخاوي ... وكاين لكلام الواعر الخاوي ... وكاين لكلام الساهل الواعر ... وكاين لكلام اللي ما يكدوا عليه غير الجنون ... وخاصك يكون ساكنك جن باش تنطق بالحكمة ".

       وهذا عامل آخر يبرر السخرية حتى يبدو "كلام الجنون" كلاما آدميا، أي يدخل في خانة « الكلام الساهل الواعر"، يقول الكمنجة:

       "الرجال ثلاثة: وجه الخير ... وجه تماره ... ووجه لكسايد.

وعندك ثلاثه يسخنو قلب الرجل:

       لمحبه اديال لميمه ... عشق الزين مول الحال ...وريحة لبلاد ...

       وعندك ثلاثة كيدخلو البرد للراس:

       البطالة ... والقهرة ... وكثرة لولاد.

       عندك ثلاثة كيقتلو النفس:

       لكذوب ... والحكرة إلا طالت ... ولفساد.

       وعندك ثلاثة كيقللو لعمر:

       أمرا حمقى ... ولد بلا خدمه ... والتخمام الزايد.

       عندك ثلاثة تصبح عليهم اصباح زين:

       وجه مرتك ... وجهك في لمرايا ... ووريده ووريد.

       وعندك ثلاثة تصبح عليهم اصباح خايب:

       راجل معكاز ... اصحاب السلسيون ... واصحاب القايد.

       عندك ثلاثة ما ينفعوش في هذا الزمان:

       الزرع إلا قبل الوقت تنتفو ... الرجل اللي يكول: اتفو ... واللي اعماتو لغدايد.

       وعند ثلاثة يربوا الريش وخامافيهش:

       البركاك ... والدلال ... ومولى حايد أوى حايد.

       وعندك ثلاثة ما يعرفوش يعوموا:

       اللي احلم هزو الما ...واللي اعمى على النعمه ...وزايد اللي ماشي اسميتو: زايد.

       وعندك ثلاثة غادين يندموا:

       اللي بايت فوك الشجره ... واللي موسد الحجره ... واللي امشى وعاد عايد."

       ولكن الكلام كله، ومن أية جهة جاء وكيفما كانت الصور التي يتخذ، ليس له سوى أصلين: الأم أو الأب !

       وكلام الشيخ المعطي منبعه الأم، في ارتباطها بقيم الأرض والكرامة والمحبة، يقول الكمنجة:

       "المربط فيه زوج اوتاد: لميمه ولخوادريه ... عاد كتجي لمرا تدير لك في عنكك السريفة ... أنا لما كنتفكر رقيه امي ابحال إلا شعلت لي الشمس في لحمي".

       ثم يضيف في مقطع آخر:

       "أنا الدم الحاروالراس السخون جاني من أمي ... كله واش يورث من اهلو ... أمي كانت امرا فحله ... نار ما يكد عليها فران ولا يطفيوها بومبيه ... ديما شاعله وكاديه ابحال البركان ...".

       وهذا المعنى أوضح في المقطع التالي:

       "وشفتي هاذ الكمنجه ... راني وارثها على أمي ... تاهي حاره وعلى سبه ابحال الوالده الله يذكرها بخير ... وانا لما كنبدا ندوي فالكمنجه كنبدا نسمع لغا امي ... وسبحان الله العظيم كيجيب لي راسي باللي كنلعب بالسبيب اديالها ابحال إلا كنلعب بالسالف اديال الكمريه"، أي الوالدة.

       ولهذا عنونت هذا العرض المتواضع ب "تراث الشيخ المعطي الكمنجة أو العيطة ... أمي"  ولو أن عنوانه الأصلي "زغب الكمان"( 1995).

       فلنمر الآن إلى نماذج من هذا التراث الذي اخترت منه مقطعين:

المقطع الأول:

       كازابلانكا !؟ انا نعطيك اخبار الشاوية ...نعطيك التاريخ اللول باش ماتبقاش مهول ويكذبوا عليك الشلاهبية من براحة ومداحة ومشارطية ...لمدينة زينة ... بصح ... وخا كتاكل لعروبية ...الواحد بكري كان كيهبط للقريعة ابحال إلا غادي للوزيعة ...يشري ما يلبس وما يشرب ...وإلا باغي يضرب شي عايشه الطويلة ولا بو البوادر كاع ...ألف فرنك تكدوا ...ويطلع فالكرويلة ناشط ابحال إلا عندو العرس ...ما يقرى ما يكتب ما يخمم ...إوى اليوم كلشي اغلا ...البكالوريا ديالكم ما تجيبش حتى بنت عويشة ...اللسانس ما يجيبش إترو اديال الميكا ...العافية هذي الله يحضرالسلامة ...الدراري حاطين غير على السيراج وسراق الزيت ...تابعين الطوبيس ابحال الذبان ...سير اتشوف زبابل الميريكان باش عامره ...

       تعرف بعدا فالشاوية ...علاش القايد كان ديما ظالم ...فرحان يتكرفس على بنادم ؟ القايد الله يعفو ويوالم كان مسخر عند الحاكمولمسخر اوعر من سيدو ...إلا كنت حر وجيتي في ايدو ...وتقدر اتكول لي أسيد القاري:علاش سلكان بوشلاقم كيتكني عزي منيكاص !؟حيت كان عبد ديال بونيفاص ...والعبد ابحالوا ابحال سيدو إلا اسخن لو الراس واعمات لو الدبانة ...وكاع اللي كلبو اكحل وايدو بحال القبضة ديال الفاسولا ابحال المدره عبد اكحل الساس ما في سوقو مايتبرى ...وات خليك من البولتيك والتشهليب وخود كلام سيادنا المجاذيب ...دوك اللي شافوا الدنيا من التحت ما شي من الفوك وكالوها بلا زواق بلا كذوب ...واحنا كاع اخوت في تسلميت ...والزواق يطير ولو كان من القصطيروكاع التوب يبهت وخا تغسلوا بتغشت ...الدعوى فالبخ !ما يدوم غير الصح ...الله معانا وملايكتو حاضيانا ...الحق نكولو في نفسي وخى يبكيني ولا يعريني.

       باركه من التحرميت ...أنا سلخوني واحد المره في لاكورنيش ...كنت ناشط ومعنديش ...على ربعه ادريال خصتني على بطه اديال الدوخيت ...ومرة حاشاك على ... و...اداتني الفركونيت ...انا ديما هاز امعايا البطاقه وشويه اديال الدراهم. قليل فين تعرف واش انت مطلوم ولا ظالم....كالك الشاوية غاويه...الشاويه اشكون اللي عمرو ادخلها بصح !اشكون عمرو عرف اشحال كتدير فيها السبوله من حبه اديال الكمح ...ولا اشحال كيكون في البيضة اديال الشاوية من مح !؟

       اكمح اولدي اكمح واضرب النح ...راه كالها المجذوب

       تامسنا درسة كبيرة ... ما يدريوها امداري ...

       خوفي عليك اتمسنا ... إلا ولا وقيادك ادراري ...

       كل شي مالقايد ... أما الشيخ ولمقدم راهم كانوا ..ابحال كي كان القايد مع الحاكم ...احياني على الدونيت ...ابحالها ابحال شيخات عين الدياب ...يضربوا على الشعا ويحليوا الشراب ...غير اللي امرض ولا تقهر وثاب ...

       خليني من لكلام لمزوق من برا بحال اديال لافيجي ...من لكلام لمطرق ابحال المسامر في لخوى ...لولاد اتبارك الله غير الزين والتكلضيم ...لبنات ابحال النويورات

       وحتى الشارفات اصغاروا واحماروا لهم لخديدات ...تكول أسيدي هذا السم موافقهم ...داك الشي راه غير من برا ...الناس كاع غير لمقلق اوخوه ...كل واحد طالع لو الكاز ويصوط على والو ابحال لا تكول في صدرو شاكمة ايدال المازوط ...إلا ما تيقتنيش هاك المشوار امسح نيفك أولااجبد شي واحد في الزنقة ...

       راه عندك غير ربعه اديال لحويج اللي كيزينواالسيفة من الداخل ومن برا ...

       عندك أسيدي الشبعه ... والصلا ... وبضاض ... والشراب ...

       عمر كلبك بالله تعالى ...وكثر من الصلا عالنبي ...را الصح ديما يغلب الكذوب والهتوف ...اولا كديتي تنشط غير انشط ...

       النشاط تاهو قراية ... قراية واعره ابحال النفخهوالفهامة ... وتقدر تكول ابحال المقاومة ...اوهما بعدا علاش سموه النشاط والقسارة ! ؟

       الناس بكري كانت فيهم النخوة والزعامة ...ما يخافوا غير من الله تعالى ...

       الواحد كد فمو كد ادراعو كد كلبو ...وقت اديال الرجله ووقت اديال القسارة ووقت اديال الدصاره ...اتصيبوا فالجنازه يبكي وفالعرس يهيت وفالجامع يتخشع وفالخدمة ماضي وفالحركة مقدم ...ديما محزم على شاقور ولا زرواطة ...اللاخر في جيبوموس ولا مقده... ولا شرب شي  بطة القانع عزك الله اتصيبو يشطح امعاه ...

       وهاداك السم اديالكم اليوم يرجع الواحد ابحال الكلب المجعور ...ما هو ناشط ما هو مرفوع ...ابحال إلا ضاربو احمار الليل ولا عاضاه ذبانة الجعره ...

       وهما من آش باقين كيصوبوه !؟هاوه ... هذ الشي بزاف على لعنب والشعير ...

       الشعير احنا كنعطيوه للحمير وكيبقاوا بعقلهم ...على عساك ابنادم ! ... الواحد يولي كالجيفة الله يستر ...

       إيه ... الميزان طاح ...أنا ما قاري بحور ما عارف قوافي ...غير كلبي طايب وفي دمي لعوافي ...أنا ابحال الشوافه ... مرة اتجي فيها ...ومرات تزكل على بونت ولا احبل ...شي مرات كنولي ابحال النحلة تقدر اتطيح في القرنفلوتقدم اتطيح في الزبل. بعض المرات تصيبني ابحال البحر ... ولا ابحال الجمل...تارة يبركم تارة يخمم ... سويرتي مولانا ...

       وهات ... شوف آش دارت فينا الدونيت بنت الخانزه ...الحمد لله اللي اتبلينا بالصلا ...الشيء أولدي اقلال ...راه كالها السي المهدي وباعلال ...احنا اولاد الخامس الله يذكرو بخير ...احنا حقنا في الجنة ... الخامس وأصحابو في الجنة يتصابوا ...

       ورا الخامس في قبرو وعينو على شعبو ... اللي دار امعاه الجهاد في سبيل الله

       اللي ما جاهدش مع الخامس الله يرحمو ...ما عرفش الجهاد بالصح ...واللي ما شافش الخامس الله يذكرو بخبر ... فيالكمرة ... ما شافش الموغرب ... ما شاف والو.

       مغرب محمد الخامس ما عمرو يموت ...وكاع اللي سمعو ولا شافو ... غير فالتصويرةغادي للجنة ... وما يخيبش فالدنيا ...

       احنا شفنا الجوع والقهرة والاستعمار ...وها احنا  مازال هازين الهم تانتلاقو عند الله ...وانتما آش شفتوا !؟آش دوزتو !؟الدعوى في التبنديره ...ياك اتخافو غير من بوشويشية ابحال الزوش ...الحمد لله باقي فيكم شي ادراري بعد ايحمروا

       الوجه وخا اقلال ...كويزة ما يخطاوها رجال ...واحنا كاع اخوت في تمغربيت وتسلميت ...

       الشاوية اوليدي ناس الكلمة والنغمة وانويها زينة ...وخايعياوا ما يبيعوا ويشريو فينا ...

       وشتي هاد الكرويلة راه مخرجها سيدنا موسى للدراوش ...سيدنا سليمان ما خرج لوش الله الهوندا ...ماوصهش على الطوبيس اللي يقتل ...وهاد الحديد اللي يغدر.

       ما كالوش لحمامة تولي طاير الموت...وموكه تولي تاكل الحوت...وعوكه وأولادها يخويوا لبلاد...ماكالوش دير في يد القرد الجباد...ولا شفت بلارج عارج هواد...كولو مرحبا بعمالنا في الخارج...را البنك المعلوم جواد ...

       وسيدنا محمد ملي غوت حتى تشقت السما:امتي ... امتي أربي ! ...وصاه الله على الكرويله والتهرويلة ...حيث الكرويلة كيجرها عاود هروال ...والعاود الهروال كان عزيز على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قدما سبحت السما وسبح لغمام ...

       اودي خليني عليك ...والسيد علي بعدا علاش اطحن خميس اطحين وطيب راس الغول في الطجين !؟العز من الله والعاود...وكاع اللي يحب الخيل يحبو الله والنبي ...

       بويا كون ما كانش  يبغي أمي ما يسميهاش الكمرية ...وأنا كون ما كنتش على دين النبي ما نبغي لابويا لا أمي ...العاود كان عزيز على سيدنا محمد وأطلب الله

       باشش يدخلوا معاه للجنه ...هاد الشي علاش كان العاود عزيز في الشاوية ...الشاوية انت مول الخير بلاد العاود والتبوريدوالكمحة كانت فيها كد النواله ...الواحد إلا يبغي بنتو ولا مرتو ولا صاحبتويسميها الجدعة ولا عجباتو شي وحده يكولك: دايره كيف الكمحة !

       بالحق راحنا كاع اخوت الحمد لله في تمروكنيت ...الموغرب عزو الله بتسلاميت ...وعلاه أسي لفهامات في عهد سيدنا محمد كان الكريان ...وفي قديم الزمان كانت البيضا غير الزفت والدخان ولحيوط ...كان البحر خانز ابحال اليوم ... وكانوا المساكين في جهة والدوماليين في جهة ...وكانت عين الدياب لاحيا في دين بوسبير ...وكان أسيدي ادفع هادوك جهة البحر وادفع هادو جهة البير !؟ ...احنا فين نمشيوا ... نبقاوا ديما هازين قشناابحال هداوة !؟ ... إوى والولف ... والعشرة ...

       والناس اللي اشركنا معاهم حاشاك ... الخبزوالملح ... والخميرة ... !؟والأرض اللي شركنا معاها انت مول الخير ... لعرك والدم والما الحار والريحة !؟والجنون الله يحفظ اللي عاشرناهم وعاشرونا وفيهم اللي اسلم على يدينا واللي اتزوج من بناتنا ولا اولادنا !؟ ...

     

المقطع الثاني:

     

المخ راه غير لحم وستر مولانا ...والكسده غير من تراب ... هاداك علاش خاصها اتساس وتسخن خطره خطره ...راه ما كاينش اللي يخرج على الواحد كد لعكز ...خاص بنادم يحرك الكسده ويسخنها باش التراب اللي مات ايطيح واللي حي ايتجمع ...الانسان يشطح ويغني ويتهلى في امراتوا اديالالحلال ... ايديرها في السطاش واخلاص ...وساعة الجد ايكون راجل ماشي عريوه ...ما يصبرش في ماضرو ...اللي اصبر في مضرو ... الشيطان غرو ...الشيطان لحرامي باع النبي والصحابه ...يخدع لحسن والحسين أولاد فاطمه الزهره ...يشري عريوات في الحزب وفي النقابة ...انهار لنتخاب يكذب عليهم غير بخبزه ...يوريهم الجنه في ديور القوم المجرابه ...يحرك لبطن والكرن تاكل شيء ينسى الحزه ...يولي دايخ كي كلب العرس ما شايق طنزه ...

       غير يطلعوا اصحابوا للبرمان ينضغوا العلك ...ويبداو هذا اعثر في جلايلو هذا برك ...هذا كان ناعس هزايدو وهو يعرك ...هادام كان غايب ما اغسل ما افرك ...هزا يدو بانت اعجينة للا ام الفلك ...غير يبدلو اصحابو الطوموبيل ويعرقوا الشد ...ويبان ولد احميده من ولد احمد ...يرجع عريوه للدل ناشط ما كيفوحد ...اتكول هو اللي دايز كافر في الضولحمر ...ولا هو اللي داخل لداك البنك كيتبندر ...يكول لك كازا اديال مواليها ...ابحال إلا هو عند بوه النص فيها ...ويكول لك هاش تعملو في هذ القضية ...ابحال إلا عندو الكيران في بنجديه ...ولا مشارك في شي اوزينات في عين السبع ...وهو مسكين مكفيه عليه الكفه كيركع ...احرام اتكول احسن منو الضبع ...الشيطان ولد الكلب غرو وضرو ...وزاد احفر الضبره وضرو في ماضرو ...وهداك اللي اجرى على ام الدراري ...دوخوا تقرقيب السطالي ...واتبع كي لحمق لاله ومالي ...كل ليله وحده عاضها كلب جهالي ...ما فيها بنه وما فيها ما توالي ...اصباح تولي اصباغتها كتشالي ...اتكول لحمها عنزي وبولها جمالي ...الشيطان لحرامي العب به تا اقنع ...ودار منو جرانه في سيفة اسبع ...وهاداك اللي النهار والليل في القونت ...على كارطونه كالس بونت تابع بونت ...اتقهر في صغرو وهو دايركي الحلوف ...كلو مسخ تاللحيه ابحال لخروف ...إلا دازت امرا مسكينه ولا دري يكرسيه ...علاه ما كاين مايدار الهيه ...إلا امشى تاحرك راسو وايديه ...تاهو غرو لحرامي والعب عليه ...ودار لو من عكرو سبه باش يخرج عليه ...وهاداك اللي اعطوه الكسوه ولا البيرو ...وداك اللي صاب راسو قابط استيلو ...ومول الطوموبيل اللي ما كاين غير اعفس ...واللي على رجليه كالنعامه دايز يتفلعص ...ومول الدار ولكرى اللي ضربو بوكليب ...ومول الحانوت اللي كيغش في الدكيك ولحليب ...ولمرا اديال الموظف اللي ما غادياش على كدو ...وراجل الموظفه اللي باقي داير كيف جدو ...واللي ما عندو خدمه حتى اتقاضى واتلف ...واللي امشى للموقف ووقف حتى دار لوقاقف ...واللي غير اتجرح وامشى للسبيطار مات ...ولمرا اللي ضرتها عينها امشات للطبيب اعمات ...والطفله اللي هزت حجره في بلاصتها كرمات ...ومول لمشاش ولكلاب ...ومول اقشوشات امزاب ...ومولاة واه أشاليني غير اديني ...ومول لكبيرة كيف الصغيرة في نيني ...وفين غاديه طلعي انديك ...ألغزال امولاة الحايك ...وسيد لفقيه مول الزويتينة ...اللي خرج على جيوبنا وعينينا ...والشريفة مولاة الرايات ...اللي خرجت لينا على لعيالات ...واجري علي نجري عليك ...واديني أبيي انديك ...واحضي من خيك ...لا يبيع لك لحويك ...واللي بات بلاعشا في كراج علال ...واللي باقي ما عرفش راحنا شدينا لستقلال ...ولولاد ولبنات ...اللي شرات الباسبورات ...في الظلمه خرجات ...ولدابا ما رجعات ...كويزه اعماها لحرامي الملعون ...اللي امسلط على الدنيا والدين ...من انهار بو الآدمين ...أبداها في الزنقة ...وكملها في التلفزيون ...... وراحنا كاع ما تكلمنا على القبر اشحال كيسوى ...

       وانسينا هادوك اللي كيوليوا في جنازتك ابحال غربه ... الله يدير التاويل...

       الله يدير التاويل... يكاد رحال مع زريويل ...تجينا بنت الطويل ..نحركو الكمنجه والبندير ...ترفع هاد المقادير ...وكله يعرف أش يدير ...الله يدير التاويل ...يكاد المعطي والبشيروتجينا بنت الصغير ...الدراري يسرجوا الخيل ...يلعبوا نهار وليل ...نختنو ليتيم ولهبيل ...ونزوجوا اللي ما عرف آش يدير ...

       الله يدير التاويل ...يسبل الزرع بخير ...يتعلموا لقرايه لحمير ...يخرجوا السواح من أكادير ...ويقنع لينا سيد الخدير ...بدويره وحده وطويمبيل ...

       والله يدير التاويل ...الفايق يفيق والعايق يعيق ...يبدا الغليض يدير بلاصه للرقيق ...القايد إلا أغلط يدار معه تحقيق ...لمرا إلا مزيانه تصيب اعشيق ...الرجل يصيب الخوا والصديق ...كله يدير شغلو بلا تبنديق ...راه ما عندنا ما نعملو بخرجان الطريق ..

 

* ندوة اتحاد كتاب المغرب بأسفي حول العيطة

ملحق حول الأدب الشعبي:

            قد تسري هذه  الملاحظات على عبارة "التراث الشعبي"، و قد تجري كذلك على عبارات أخرى من نوع " الفنون الشعبية"، أو " الأدب الشعبي"  أو " الثقافة الشعبية"، أو ما يسمى" الفرجة" في المغرب:

       الملاحظة الأولى : نحن قد تعودنا على استعمال نعث " الشعبي" أو "الشعبية"، والأدهى منهما عبارة " العامي" أو " العامية"، لتمييز ألوان معينة من الفنون، أو الممارسة، عن أنواع أخرى يفترض فيها، أي في هذه الأخيرة، أنها " خاصة" أو " عالمة"، ولكني في المنطقة التي ولدت فيها وتربيت تربيتي الأولى، أي الشاوية، لم أعرف هذا الشكل من التمييز، في الواقع، أي في ممارسة الناس، وأعلم أن هذا صحيح بالنسبة لمناطق عدة من المغرب، عندما يتعلق الأمر بما يسمى فنونا "شعبية"، وليس هناك عندنا " عامة" و" خاصة" في فرجة كالعيطة وعبيدات الرمى. صحيح أن هناك اختلافا بين عرس ابن القايد وعرس ابن الخماس، وهناك حلقات فرجة نسوية وأخرى رجالية، تجري في نفس المناسبة ونفس البيت، وهناك " مجالس شخصية"، وأحيانا مغلقة أو سرية، للاستمتاع بالفرجة، كما أن هناك فئات محدودة، أو شخصيات، قد تترفع عن المشاركة في هذه الألوان من الفرجة، غير أن كل هذا لا ينفي عن هذه الفرجة طابعها العمومي، ولا يعني أن لهذه الشخصيات نوعا من الفرجة الخاصة بها، فترفعها ليس إنكارا أو احتقارا وإنما فرضته، مع الوقت، مقامات، مثل السن أو الوظيفة، أي أن هذا الترفع الظاهر ليس في أصل هذه الفنون الجماعية، ناهيك عن أن يبرر صفة مثل " العامية" أو " الشعبية".

       وهذه الملاحظة تسري على الفنون في البوادي كما تسري عليها في الحواضر، فالملحون و الأندلسي، على سبيل المثال، كيفما كان أصلهما ومداهما، في حواضر المغرب، يمارسان من طرف العامة والخاصة في نفس الوقت، وما علينا إلا أن نلاحظ تركيبة بعض الأجواق، في كبريات مدننا، لندرك أن التمييز بين العامة والخاصة تمييز لا يستقيم. ولا شك أن فنونا بعينها ترتبط بجهات، أوفئات، معينة من الوطن، لكن هذا الارتباط لا يمكن أن يعطيها صفة من الصفتين، عامة وخاصة، لا على مستوى الجهة ولا على مستوى المغرب ككل، بل إن فنا مثل العيطة، الذي يوصف بالفن الشعبي، قد ارتبط بالإقطاع في السهول والجبال بقدر ما ارتبط ببعض الفئات الشعبية. وقد كتب لبعض الفنون، مثل العيطة والأندلسي، وبفعل ظروف معينة في المغرب الحديث من أن تنتشر نسبيا، لكن من غير أن تشكل فنونا شعبية، على مستوى المغرب كله، أي من حيث الانتشار والتذوق، وظلت فنون أخرى، مثل أحواش، فنونا شعبية بنفس المعنى.

       هذه هي الطبيعة الثابتة للفنون في المغرب، بصفة عامة، ليس فيها ما يبرر لا صفة العامة، أي الشعبية، ولا الخاصة، أو النخبة، سواء بالمعنى الاجتماعي أو الثقافي. فماذا يبرر إذن هذا التمييز، في ثقافتنا اليوم، غير الإرث الإقطاعي، والاستعماري، والمخزني الثقيل، أو التقليد الأعمى لإجراءات غربية الرؤية، وأحيانا مشرقيتها مع الأسف، والجهل بالمغرب، أو الاستلاب من طرف أي نوع من الجهوية ؟ إن فنون المغاربة واحدة، لم نرث فيها عامة وخاصة، ولا شعبية وعالمة، ولكن تسربت إليها شوائب تاريخية متعددة من الإقطاع، والاستعمار، والمخزن، و تفاقم التفاوت الاجتماعي، وما أدى إليه من بؤس وتسلط، أصابها بالكثير من الهجانة والانحراف الفني. ولذلك فإن هذه الفنون هي  تراثنا المشترك الوحيد، تراثنا جميعا نحن المغاربة، ذاكرتنا العامة، ومتخيلنا الناظم الثري، لا ينبغي أن يطال الإهمال، ولا الاحتقار، أي جزء منه، تحت أي مبرر جغرافي أو اجتماعي أو ثقافي، لأن المغرب الحقيقي، مغرب الوحدة العميقة والتعدد الخلاق، سيتحقق بالفعل عندما يستطيع كل مغربي، وفي أية جهة من هذا البلد، أن يتذوق كل فنون بلده بدون استثناء، أو على الأقل ألا ينظر إلى أي  شكل منها نظرة ازدراء. أما الذين يدعون أنهم لا يهز وجدانهم لا أحواش ولا أندلسي ولا عيطة، مثلا، فهم أحق بالرثاء والشفقة لأنههم يقمعون ذواتهم أو لم يعد لهم وجدان على الإطلاق، فالفن الشعبي المغربي عندهم لا يهم إلا ما يعتبرونه " غوغاء" أو "بدائية"!

       الملاحظة الثانية : ماذا نعني، والحالة هذه ب " التراث" وب " إحياء  هذا التراث" ؟ التراث، في هذا المقام، أي الفنون، هو الإرث الوجداني، أي المتعلق بتجارب اللذة والألم المشتركة بيننا كمغاربة، وبتطلعاتنا الإنسانية الجوهرية، كالحرية والكرامة، كما حولت إلى مادة جمالية من طرف مجموع الفنون المغربية التي تحدثنا عنها، أي كما تشكل ذوقنا وتتحكم فيه، وتطبع باالتالي ذاكرتنا ومتخيلنا، إذن رؤيتنا الجمالية للكون، أعني كما تطبع هذه الفنون حياتنا بلون من المعنى، أو النوع أو الكيف، يسري على كل مظاهر وجودنا، في مقابل كم هذا الوجود، بدءا من الطبخ واللباس، مرورا بالمسكن وتنظيم الحي أو الدوار، وصولا إلى طريقة العشق والتغزل. بهذا المعنى تشكل الفنون، بصفة عامة، وجدان المغاربة. وعلى رأس هذه الفنون تأتي أصناف الرقص والغناء، بصفة خاصة، التي ينصرف إليها الدهن عادة عند الحديث عن الفن في بلد كالمغرب. وبطبيعة الحال فإن هناك فنونا أخرى، كفن العمارة، ترتبط بها، و لا يفكر فيها إلا نادرا، مثلما هناك فنون أخرى، هي كذلك جزء لا يتجزأ منها، مثل النقش والحياكة، هذه هي مجموع الفنون في المغرب، كما في أي بلد آخر، ومنها يتشكل،